ماذا تعني خسارة المحافظين في بريطانيا؟

خسارة تاريخية للمحافظين بقيادة سوناك
خسارة تاريخية للمحافظين بقيادة ريشي سوناك (غيتي)

انتصار ساحق لحزب العمال البريطاني برئاسة كير ستارمر، وخسارة مهينة وفادحة لحزب المحافظين بقيادة ريشي سوناك.

لم يغفر لحزب المحافظين توليه السلطة 14 عامًا متواصلة هيمن فيها على السياسة البريطانية، ورغم هذه السنوات الطويلة فلم يحقق فيها الإنجازات المطلوبة ولا طموحات البريطانيين المشروعة، فعاقبه البريطانيون بقسوة بالتصويت لحزب العمال المعارض.

لا شك أن هذه الانتخابات تعطي دروسًا خاصة للدول التي ماتت فيها السياسة، وأهم هذه الدروس أن الشعوب بيدها دائمًا تصحيح المسار.

فعندما أتى سوناك إلى الحكم قبل أقل من سنتين في أكتوبر/تشرين الأول 2022 عن طريق التسويات الحزبية بعد سلسلة فضائح أخلاقية لزعماء الحزب، بدأت مع بوريس جونسون الذي اكتشف أنه وقت قوانين الإبعاد بسبب أزمة كورونا كان يقيم حفلات صاخبة لأصدقائه في منزله، مما عرّضه للطعن في مصداقيته، لتتولى بعده ليز تراس زعامة الحزب ورئاسة الحكومة ثم تستقيل بعد أشهر قليلة ليأتي ريشي سوناك بعدها.

إخفاقات في ملفات مهمة

رغم أن حزب المحافظين طيلة فترة حكمه كان يحظى بثقة الناخب البريطاني، فإنه لم يعطِ لهذه الثقة حقها، وفشل في تحقيق الكثير من الإصلاحات، وأصبحت ملفات الصحة والاقتصاد والتعليم لا تحظى بالاهتمام وتفاقمت المشكلات الاقتصادية. وبعد أن كانت بريطانيا مفخرة الطب والعلاج، تدنت الخدمة الصحية فيها بشكل كبير، فأصبح المريض ينتظر مدة قد تصل إلى ستة أو سبعة أشهر حتى يأتي دوره لإجراء عملية جراحية. ويقولون إن بريطانيا لديها أطول مدة لقوائم الانتظار لإجراء العمليات ومقابلة الأطباء في العالم، وهذا لا يليق ببريطانيا ويُعَد تدنيًا خطيرًا لقطاع الخدمات الطبية في هذا البلد.

ملف التعليم أيضًا يعاني بقوة، فهو بحاجة ماسّة إلى آلاف المدرسين بينما الحكومة ليس لديها القدرة على توفير رواتب لهم، فبدأ التدهور يصل إلى الطلبة بسبب نقص المدرسين، ويتساءل البريطانيون: كيف لثلاث حكومات في غضون سنتين ولا تستطيع حل هذه الأزمة؟ تفاقمت المشكلات الاقتصادية كذلك بسبب التقشف الحكومي، وارتفعت الأسعار، وضجر الناس بالأكاذيب وبتدني الرفاهية. فبريطانيا بعد البريكست (الخروج من الاتحاد الأوروبي)، فرض الأوروبيون الضرائب على البضائع المصدَّرة إليها، فارتفعت الأسعار، وتدنت القدرة الشرائية لدى المواطنين البريطانيين، وتفاقمت المشكلات الاقتصادية لاحقًا حتى أن بنوك الطعام التي يحصل فيها المواطنون على وجبات مجانية انتشرت في البلاد، وتقلصت كثيرًا رفاهية المواطن البريطاني!

خسارة فادحة

هكذا تراكمت المشكلات في ظل انتظار الناخب البريطاني، حتى أتت اللحظة الحاسمة ليعطي رأيه في حكومة بلاده، فعاقب سوناك بالإبعاد ومعه 11 وزيرًا في حكومته لم يحققوا حتى النجاح في دخول البرلمان البريطاني. لم يكن ريشي سوناك يتمتع بالكاريزما المطلوبة، فهو أتى إلى الحكم بتسويات سياسية داخلية ولم يأتِ بالانتخابات المباشرة، وظلت هذه العقدة تطارده، أي أنه ليس عليه استفتاء شعبي. ورغم أن الفرصة كانت في صالحه من أجل تحقيق إصلاحات حقيقية، فإنه لم يهتم بالملفات المهمة في البلاد، وراح يصب كل اهتمامه في ملف الهجرة، ومعروف أنه ملف يغازل فيه السياسيون مشاعر الشعوب من أجل حصد الأصوات في الانتخابات فقط.

كان سوناك يعتقد أنه يرشي الناخب البريطاني عندما أصر على إبعاد المهاجرين غير النظاميين إلى رواندا، رغم أن أصوله مهاجرة ورغم المعارضات البريطانية العديدة لهذا النهج، لكنه كان الملف الوحيد الذي تحدث فيه سوناك بصوت مرتفع حتى أسكته البريطانيون اليوم وإلى الأبد.

لهذا لم تكن نتائج هذه الانتخابات مفاجئة، فقد أظهرت إلى أي مدى أخفق سوناك في فترة حكمه وأنه لم يقنع البريطانيين، فخسر خسارة مهينة لم يخسرها حزب المحافظين منذ عام 1834. أما حزب العمال فقد حقق انتصارًا لم يحققه من قبل أيضًا، فقد حصل على 410 مقاعد مقابل 99 فقط لحزب المحافظين حتى ساعة كتابة هذا المقال، وهي نتيجة مهينة للغاية للحزب الذي يتبادل السلطة مع العمال منذ بداية الحياة السياسية في بريطانيا، وهي نسبة ستسمح للعمال بتشكيل حكومة أغلبية دون البحث عن ائتلاف حزبي مع أي من الأحزاب الصغيرة.

التغيير قادم

لقد أكد زعيم حزب العمال كير ستارمر في خطاب النصر أنه سيحقق كل وعوده بالتغيير في تحفيز النمو وتعزيز حقوق العمال وتصحيح وضع المرافق العامة، وتقريب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي من دون العودة عن البريكست، وخفض الهجرة. ومعروف أنه محامٍ في حقوق الإنسان، وكان ضد سياسة سوناك في إبعاد المهاجرين إلى رواندا. ولا يعني هذا أنه ليس لديه ضوابط في ضبط الحدود البريطانية، فقد أكد أن بريطانيا ستكون بصدد قوانين هجرة ولجوء جديدة، وستعمل على تقليص الهجرة في ظل إطار إنساني.

قد يسأل البعض عن الجالية العربية والإسلامية في المملكة المتحدة وأين ذهبت أصواتها؟ الحقيقة أن الكتلة الإسلامية قد تصل إلى 5% والعربية إلى 1%، ولم تعطِ أصواتها إلى أي من الحزبين الكبيرين، وانحصر اهتمامها في الأحزاب الصغيرة فقط على سبيل تفتيت الأصوات، لأن برامج الحزبين لا تعمل في صالحها، ورغم أنها كتلة هشة ليس لها تأثير في الحياة السياسية البريطانية فإنها قد تعطي إشارات إلى الحكومات القادمة للاهتمام بها مع تناميها المتزايد سنويًّا.

المصدر : الجزبرة مباشر