من إيران إلى بريطانيا وفرنسا.. يحيا الوعي والتغيير والديمقراطية

ماكرون بعد تصويته في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية (رويترز)

 

وضعتُ الدول الثلاث إيران وبريطانيا وفرنسا في عنوان واحد له علاقة بالديمقراطية والتغيير والوعي، والانتخابات أهم مظهر لذلك، رغم الفارق بين البلد الأول والبلدين الآخرَين في رسوخ الديمقراطية وشفافية التصويت والنتائج فيهما، إضافة إلى التنافسية الحقيقية، وحرية كل حزب وشخص في الترشح دون قيود سياسية أو دينية أو شطب أو عزل سابق من العمل العام.

إيران ليست في مصاف هذين البلدين ديمقراطيا، مع هذا فهي ديمقراطية، حتى لو كانت مقيَّدة.

وعلى الأقل هي نموذج جيد شرق أوسطيا، وتمنح الفرصة لناخبيها للاختيار من بين مرشحين أقوياء في الرئاسة، وليس مرشحا واحدا بارزا هو نفسه الحاكم، ومرشحين “كومبارس”، لاستكمال الشكل القانوني والدستوري فقط، كما هو الوضع في دول عربية تدّعي الديمقراطية وتستهلك الوقت والمال في انتخابات تعزف عنها شعوبها وتثير سخرية العالم الديمقراطي الذي يمرر ذلك في دول عديدة ما دامت مصالحه متحققة فيها.

المواطن الإيراني مارس، يوم الجمعة الخامس من يوليو/تموز الجاري، كما حدث في الجمعة السابقة عليها (28 من يونيو/حزيران)، حقه في اختيار رئيسه، دون انحياز سافر أو مُقنَّع من السلطات لصالح واحد من المرشحين الستة بالجولة الأولى، أو أحد المرشحَين الاثنين في الجولة الثانية، التي فاز فيها مسعود بزشكيان وخسر سعيد جليلي بالنسبة المتعارف عليها في الديمقراطيات (فوق 50% بقليل)، إذ حصل بزشكيان على 54.76%.

هذه النسبة لم تعرفها الانتخابات العربية إلا فترة الربيع العربي القصيرة في مصر، ففي انتخابات الرئاسة الوحيدة خلالها كان الفائز فيها بنسبة 51.73% فقط، وفي ربيع تونس الأطول قليلا، كانت النسب معقولة ودالة على النزاهة والتنافسية.

ميراث العظمة

بريطانيا هي الديمقراطية الأقدم في أوروبا والبلد الثقيل الرصين حتى في انتخاباته، وخلال نهار يوم واحد فقط تنتهي الانتخابات، فلا جولات إعادة، إنما هو السلوك العملي وميراث العظمة في إمبراطورية لم تكن الشمس تغيب عنها.

أخذت أمريكا من بريطانيا الجانب العملي في حسم النتائج في يوم الانتخابات سواء للرئاسة أو الكونغرس أو الانتخابات المحلية في ولاياتها الخمسين، وكما تظهر النتائج بعد ساعات من إغلاق الصناديق في بريطانيا يحدث ذلك في أمريكا أيضا.

ليلة الخميس الماضي (4 من يوليو) كانت نتائج انتخابات مجلس العموم قد وضحت بفوز ساحق لحزب العمال على حزب المحافظين بعد 14 عاما في الحكم.

كذلك نتائج انتخابات أمريكا ستتضح معالمها بالنسبة للرئيس ونواب الكونغرس وحكام ولايات بعد ساعات من إغلاق لجان التصويت يوم الثلاثاء الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

في مصر تستمر انتخابات الرئاسة 3 أيام، وكذلك البرلمان، لعدد من الناخبين في حدود 60 مليونا، فما بالنا إذا كان العدد 600 مليون مثلا؟ هل كانت الانتخابات ستستمر شهرا كاملا، أو تجري على 6 مراحل، وفي النهاية لا علاقة كبيرة لها بجوهر الانتخابات الديمقراطية، إنما تسديد خانات، وتسويد الشكل الديمقراطي.

انقلابان في فرنسا

فرنسا لها نظام انتخابي مختلف في الرئاسة والبرلمان، وهي ضرورة حصول المرشح على نسبة محدَّدة من الأصوات تؤهله للفوز، مثل إيران، مع الفارق الديمقراطي بالطبع، لهذا لا تُحسم انتخابات الرئاسة إلا من الجولة الثانية في غالب الأحيان، ولا يتحدد شكل البرلمان إلا في الجولة الثانية أيضا.

وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة المثيرة، حصل انقلابان سياسيان خلال 8 أيام فقط، ففي الجولة الأولى تصدَّر حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف النتائج، وجاء بعد تحالف اليسار، ثم تحالف الرئيس ماكرون، في انقلاب حقيقي لتوجهات التصويت.

وبدا أن اليمين القومي في طريقه لتشكيل الحكومة لأول مرة في أحد أهم بلدان أوروبا والعالم، لكن انقلابا مضادا حصل سريعا في اليوم الثامن، إذ جرت انتخابات الجولة الثانية، وتراجع التطرف، وتصدَّر اليسار، وحل تحالف ماكرون ثانيا.

يرجع ذلك إلى خوف الكتلة الغالبة في الشعب الفرنسي من وصول متشددين إلى الحكم وانعكاسات ذلك عليهم داخليا، وفي علاقات بلدهم بأوروبا والعالم بسبب أجندة اليمين العنيف سياسيا.

اليسار يتقدم ويحكم

وكما أطاح الناخب البريطاني بالمحافظين التقليديين وجاء بالعماليين (اليسار)، فإن الفرنسي أطاح باليمين المتطرف وفضّل خيار اليسار عنهم وعن سياسات الرئيس وحكوماته طوال 7 سنوات في السلطة، ومنح اليسار فرصة لإمكانية تشكيل حكومة لكنها تتطلب عقد تحالفات.

سنرى هل تستقر فرنسا سياسيا، أم تدخل في جمود ويضطر ماكرون إلى إعادة مغامرة ومقامرة حل البرلمان، كما فعل في التاسع من يونيو الماضي بعد الفوز الكبير لليمين المتطرف بانتخابات الاتحاد الأوروبي في فرنسا؟

بزشكيان سيحكم إيران بفوزه المريح، لكن بتنسيق كامل مع المرشد الأعلى، وكونه ينتمي إلى التيار الإصلاحي لا يعني أنه معارض، فهو جناح في السلطة نفسها، سيكون وجها لطيفا وقفازا من حرير خلال تعامله مع العالم، لكن صلب السياسات العامة هي نفسها حتى لو كان الفائز المحافظ سعيد جليلي.

حزب العمال سيحكم بريطانيا بمفرده، والناخب منحه فرصة كاملة لمحاولة إصلاح ما أفسده المحافظون خلال سنوات حكمهم، خاصة منذ مغادرة الاتحاد الأوروبي عام 2016، إذ غيّروا 4 رؤساء حكومات: تريزا ماي، بوريس جونسون، ليز تراس، ريشي سوناك.

معجزة عربية

الرهان دوما على وعي الشعوب، وهذا الوعي نتاج التعليم الجيد والثقافة والحرية والانفتاح السياسي، فإذا امتلكت الشعوب هذه القيمة في تشكيل وبناء عقولها واختياراتها، فإنها ستكون مؤهلة للتغيير وقادرة على إحداثه متى كان ضروريا، ومن ثَم تكتسب الديمقراطية أرضا جديدة، تتغلغل فيها جذورها وترتفع في سمائها أغصانها، وهي نظام الحكم المحروم منه الإنسان العربي المفروض عليه وصاية جبرية لا فكاك منها، فالمنطقة العربية غارقة في السلطوية، وتعادي التغيير، وتكره الديمقراطية، وتقتل حلم تداول السلطة سلميا، لهذا لا تتقدم إلى الأمام، والتغيير فيها بحاجة إلى معجزة سياسية حقيقية.

المصدر : الجزبرة مباشر