“العشاء الأخير” كشف المستور

الرئيس الفرنسي يتحدث لضباط شرطة مكافحة الشغب أثناء زيارته للقرية الأولمبية (رويترز)

سوف يظل الأولمبياد الصيفي الـ33 المقام حاليًّا في فرنسا، علامة فارقة في تاريخ هذا الحدث الجماهيري، الذي يجذب أنظار العالم، منذ إقامة أول أولمبياد في أثينا قبل 128 عامًا، وتحديدًا عام 1896، ذلك أن كثيرًا من الأحداث الساخنة شابت الدورات السابقة، إلا أنها في معظمها كانت سياسية، أو تنظيمية، أو حتى أمنية، وكانت في معظمها خارجة عن إرادة اللجنة الأولمبية الدولية، أو قدرات الدولة المستضيفة، وما أكثر الأحداث والوقائع في هذا الشأن أو ذاك، نظرًا إلى كثرة عدد الدول المشاركة، وعدد الرياضيين، الذين يبلغ عددهم في هذه الدورة، على سبيل المثال، عشرة آلاف وخمسمئة، يتنافسون على 32 لعبة أولمبية.

أزمة هذه الدورة بدأت منذ اللحظة الأولى، أي خلال حفل الافتتاح، الذي أصبح مثار جدل في العالم، بعد أن أُقحم الدين في الرياضة، بطريقة مستفزة، أو بتعبير أدق غير أخلاقية، مثلت إهانة لمشاعر كل المؤمنين بالله، وبالديانات السماوية والرسل، بعد أن اقتبس الحفل من لوحة العشاء الأخير للفنان الإيطالي، ليوناردو دافنشي، لوحة فنية حية، لأشخاص غير طبيعيين، أو بمعنى أوضح “شواذ” في تصوير للسيد المسيح، وتلاميذه أو حوارييه الـ13، من وحي اللوحة، في محاولة فجة للترويج للمثلية الجنسية، وهي المحاولة التي يبدو واضحًا، وقوف قوى عالمية كبرى خلفها، تدعمها في كل المحافل، وعلى كل المحاور، الرياضية والتعليمية والإعلامية والتربوية، وحتى السياسية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

المفترض أن الهدف من الرياضة عمومًا الارتقاء بأخلاقيات الشعوب، وتهذيب النفوس، والنهوض بالجنس البشري من كل الوجوه، كما أن الهدف من التجمعات الرياضية من أنحاء الكرة الأرضية، هو التعارف وسد الفجوات والتقاء الثقافات وتقريب الأفكار، أما أن يتم استغلال الرياضة، أو التجمعات الرياضية، لإفساد الجنس البشري، وإهانة المقدسات، وبث مزيد من الفرقة التي يعاني منها العالم حاليًّا، فنحن إذن أمام حدث يمكن أن يترتب عليه إعادة النظر في المشاركة مستقبلًا، وإعادة النظر في تقييم حجم المكسب والخسارة على المستويات المختلفة، إذا لم تضمن اللجنة الأولمبية الدولية، وضع قواعد أخلاقية، تتفق والمعايير الدينية، على أقل تقدير.

         أهمية الردود

ويمكن القول، إن الردود الجماهيرية، من أقصى العالم إلى أقصاه، بما فيها فرنسا، على تلك الأحداث الشاذة، إنما تؤكد أن الطبيعة البشرية ما زالت على الفطرة السليمة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} صدق الله العظيم، وذلك رغم الاستثناءات التي نشاهدها من هنا وهناك، والتي تناقض {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} صدق الله العظيم، إلا أن الإصرار واضح على الانحدار بالعالم إلى هذا المنحى، وقد وجد مقاومة شديدة، على سبيل المثال، في مونديال الكرة في قطر 2022، وكانت فرنسا أيضا تتصدر المشهد الهابط مع بعض البلدان الأوروبية الأخرى.

كان أكثر الردود إثارة للاهتمام، على الحدث الفرنسي المسيء، هو ذلك البيان الذي خرج من الأزهر الشريف، مؤكدًا، حسبما جاء في نصه “إدانة تصوير السيد المسيح عليه السلام في صورة مسيئة لشخصه الكريم، ولمقام النبوة الرفيع، وبأسلوب همجي طائش، لا يحترم مشاعر المؤمنين بالأديان، وبالأخلاق والقيم الإنسانية الرفيعة، مع تأكيد رفض الأزهر الدائم لكل محاولات المساس بأي نبي من أنبياء الله، والتحذير من خطورة استغلال المناسبات العالمية لتطبيع الإساءة للدين، مع ضرورة التصدي لهذا التيار المنحرف المتدني الذي يستهدف إقصاء الدين، وتأليه الشهوات الجنسية الهابطة، التي تنشر الأمراض الصحية والأخلاقية، وتفرض نمط حياة حيوانية تنافي الفطرة الإنسانية السليمة”.

وقد بدا واضحًا أن بيان الأزهر -من بين كل البيانات الصادرة في هذا الشأن- كان الأكثر إدراكًا للأزمة، والأكثر تعبيرًا عن الحالة من كل الوجوه، ذلك أن بيانات الكنائس التي صدرت متأخرة فيما بعد، على اختلاف أنواعها، استخدمت تعبيرات “الإساءة إلى المسيحية” وليس إلى أصحاب الديانات، أو إلى المؤمنين أو الأنبياء عمومًا، بما يعود بنا إلى موقفها الصامت، عند الإساءة إلى أي من الرسل الآخرين، خصوصًا عند الإساءة إلى نبينا الكريم، محمد صلى الله عليه وسلم، في أي من وسائل الإعلام الغربية، وهي الأزمة التي عانى منها المسلمون كثيرًا خلال السنوات القليلة الماضية بشكل خاص.

   حقارة العلمانيين العرب

الغريب في الأمر، أن بيان الأزهر قد وجد تقديرًا في نفوس المؤمنين في الغرب بشكل عام، سواء من خلال التصريحات الرسمية، أو مواقع التواصل الاجتماعي، كما وجد -على الأقل- صمتًا من غير المؤمنين، إلا أن من يطلق عليهم “العلمانيون العرب” -كانوا كالعادة- على قدر كبير من الحقارة!! مستنكرين وممتعضين، استنادًا إلى مقولتهم البائسة “لا دخل للدين في السياسة”، على الرغم من أنهم لم يستنكروا المشهد الافتتاحي الأولمبي، بتدخل الرياضة في الدين، والسياسة في الدين، والفساد الأخلاقي في الدين، أي استخدام الدين في تحقيق مآرب مشبوهة، لم يعد باستطاعة القائمين عليها إنكارها.

على أية حال، قد لا تكون لوحة دافنشي، عملًا أو نصًّا دينيًّا، فهي مجرد اجتهاد أو تصور لجلسة السيد المسيح مع تلاميذه، إلا أن استخدامها بهذا الشكل المقزز في حفل الافتتاح، جاء ليكشف المستور والتوجهات السيئة من جهة، وليهيل التراب على هؤلاء المفسدين في الأرض من جهة أخرى، وهذه المرة من قلب ما يطلق عليه، عاصمة التنوير، التي كان من المفترض أن تعمل على نشر الفضيلة والمثل العليا، بدلًا من نشر الرذيلة، بهذا الشكل المزري، خاصة إذا علمنا أن مليار أسرة، على الأقل، في العالم، كانت تتابع حفل الافتتاح، بما يعنيه ذلك من أعداد الأطفال، الذين من المفترض تنشئتهم على الفطرة السليمة.

اعتقد أنه قد آن الأوان، من خلال منظمة الأمم المتحدة بشكل خاص، لوضع ضوابط للفصل بين ما هو حرية رأي واعتقاد، وما هو هزل وتدمير، يتم فرضه على المجتمعات على اختلاف عقائدها وطبائعها، من خلال مجموعات صغيرة من المهووسين أو المتحولين جنسيًّا، الذين هم في حقيقة الأمر مختلّون نفسيًّا وتربويًّا، إلا أنهم وجدوا الدعم المادي والإعلامي والسياسي، لتحقيق أهدافهم، بل إن بعضهم وجد فيه طريقًا سهلًا للثراء والشهرة، في غياب مواقف قوية للمجتمعات المستهدفة، والمنظمات ذات الشأن، وربما جاءت أحداث أولمبياد باريس، بمثابة نقطة فاصلة، يجب أن تعيد الأمور إلى نصابها من الآن فصاعدًا، أو هكذا نأمل.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان