أولمبياد باريس.. دعم لإسرائيل ووجه قبيح للهيمنة الغربية!

المبارزة المصرية ندى حافظ خلال مشاركتها في أولمبياد باريس (يمين)
المبارزة المصرية ندى حافظ خلال مشاركتها في أولمبياد باريس (يمين) (رويترز)

ربما تستحق “أولمبياد باريس 2024” أن يطلق عليها أسوأ أولمبياد في التاريخ الحديث، وأنها الأكثر جدلا على الإطلاق، إذ جمعت بين القبح السياسي غير المسبوق، والابتذال المفرط الذي تجاوز كل تصور، والانفلات من حدود القيم إلى فضاء اللاقيم، الذي عبر عنه بوضوح حفل الافتتاح الصاخب.

لقد تحولت أولمبياد باريس إلى منصة رسمية لدعم إسرائيل ومكافأتها بشكل علني، رغم جرائم الإبادة المستمرة في غزة، التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وعلى جانب آخر، أبرقت أولمبياد باريس رسالة واضحة إلى العالم بأن الغرب أصبح منبتّ الصلة بأي قيم دينية أو ثقافية، وأن العالم أمام مرحلة جديدة دشنها الغرب ويريد فرضها على العالم، وهي مرحلة اللاقيم.

التناقضات السياسية للدورة الباريسية

لقد كان من المفترض أن تكون أولمبياد باريس 2024 حدثًا رياضيًّا عالميًّا يجمع بين الشعوب، ويدعم روح الوحدة والتآخي، وغير ذلك من المعاني التي يروجها الميثاق الأولمبي. لكن الحقيقة أن المعاني التي تحملها سطور الميثاق الأولمبي ثبت أنها هراء أيديولوجي، وعبارات للاستهلاك الإعلامي.

لقد فضحت أولمبياد باريس الوجه القبيح للهيمنة الغربية ودعمها غير المشروط لإسرائيل.

والدورة الأولمبية الباريسية الحالية ليست استثناءً من سياق طويل لتسييس الألعاب الأولمبية منذ نشأتها، لكنها جاءت في وقت حرج يعيشه العالم، تبدو فيه التناقضات السياسية والأخلاقية أوضح ما تكون.

إن المفارقة الصارخة في أولمبياد باريس هي أن دولة الاحتلال الإسرائيلي خلافا لكل دول العالم يمكنها أن تفعل ما تريد دون أدنى عقاب، أو حتى مجرد توبيخ.

إن السؤال البسيط الذي يطرح نفسه، هو: ما هي الانتهاكات والجرائم التي لم ترتكبها إسرائيل حتى الآن؟ الإجابة هي أنه لم يكن هناك انتهاك ممكن إلا أتت به إسرائيل، كما أنه ليس ثمة من جريمة إلا أصر على ارتكابها جيش الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم جرائم إسرائيل وانتهاكاتها، وما صاحبها من غضب عالمي، يواصل الغرب بقيادة أمريكا دعمه المطلق لإسرائيل وتجنيبها أي عقاب في أيّ ميدان، ولو كان رمزيًّا، بما في ذلك المنافسات الرياضية؛ مما يؤكد عبثية النظام الدولي، وأنه ليس إلا أداة بيد الأقوياء لتحقيق مصالحهم ومصالح حلفائهم.

لقد كان من أبرز مظاهر التناقض السياسي في أولمبياد باريس، تلك اللامبالاة من اللجنة الأولمبية الدولية بالدم الفلسطيني، ورفضها الدعوات العديدة إلى منع إسرائيل من المشاركة في الألعاب الأولمبية، بسبب جرائم الإبادة التي ترتكبها في غزة.

لقد فضحت أولمبياد باريس ازدواجية المعايير لدى اللجنة الأولمبية الدولية.

ففي الوقت الذي فُرضت فيه عقوبات صارمة على روسيا، بما في ذلك حظر مشاركة رياضييها في المنافسات الدولية بسبب غزوها لأوكرانيا، نجد إسرائيل مرحبا بها بشدة للمشاركة في المنافسات من دون أدنى عواقب أو مجرد توبيخ.

وليس هناك أقبح من ذلك التبرير الذي ساقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون -الذي جاءته هذه الأولمبياد هدية من السماء لإنقاذ شعبيته البالية في ظل تفكك غير مسبوق تعيشه فرنسا- ردا على مشاركة إسرائيل في أولمبياد باريس، بينما مُنعت روسيا؛ حيث برر ذلك بأن “إسرائيل كانت ضحية هجوم إرهابي”، وأنه يمكن الاختلاف مع إسرائيل حول طريقة الرد وحماية نفسها، لكن لا يمكن القول إن إسرائيل بدأت الهجوم، وبالتالي فإن التمييز (بينها وبين روسيا) واضح للغاية!”.

المصالح السياسية تطيح بالقيم الرياضية

في ثنايا الميثاق الأولمبي يأتي النص على أن الألعاب الأولمبية تهدف إلى تعزيز أسلوب حياة يقوم على “احترام حقوق الإنسان المعترف بها دوليًّا والمبادئ الأخلاقية الأساسية العالمية”.

ومن طرائف المفارقات، التي تعكس ازدواجية المعايير والسقوط الأخلاقي، أنه في صيف عام 2003، عندما قامت اللجنة الأولمبية بتعديل ميثاقيها، كانت الولايات المتحدة تغزو العراق مع حليفتها بريطانيا وبمشاركة أستراليا وبولندا لاحتلاله خلافا للإجماع الأممي.

ورغم الاحتلال الأمريكي للعراق، وما أحدثته أمريكا وحلفاؤها من دمار واسع واستخدام شتى أنواع الأسلحة المحرمة دوليا، التي خلفت مئات الألوف من القتلى والجرحى وملايين المهجرين فقد شارك الرياضيون الأمريكيون والبريطانيون في أولمبياد أثينا عام 2004!

ويأتي السماح لإسرائيل بالمشاركة في أولمبياد باريس ليُبرز للعالم من جديد كيف يُطاح بالقيم عندما تتعارض مع الرؤى والمصالح السياسية للقوى الكبرى، وهذا يؤكد على نقطتين رئيسيتين هما:

أولا: المؤسسات الرياضية العالمية مثل الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية ما هي إلا أحد أذرع الهيمنة في النظام الدولي الذي تقوده أمريكا والغرب، والمسابقات الرياضية مثل كأس العالم والألعاب الأولمبية هي إحدى مؤسسات الهيمنة الاستعمارية والرأسمالية الغربية، ومتواطئة مع القوى الغربية الداعمة لها، وهي وسيلة للاستعراض السياسي والربح التجاري.

ثانيا: أن النفاق الغربي هو طبيعة ثابتة في السياسة الغربية، والرياضة إنما تُعد وسيلة من وسائل تعزيز المصالح الغربية دون اعتبار لأخلاق أو مبادئ، يعكس ذلك منع مشاركة روسيا ورياضييها بينما تشارك دولة الاحتلال الإسرائيلي كدولة طبيعية، رغم الجرائم غير المسبوقة والموثقة بحق الشعب الفلسطيني.

هدم الرموز الثقافية والدينية

لقد أظهر حفل افتتاح أولمبياد باريس 2024 أن الغرب قد أعلن قطع صلته بالقيم الدينية التقليدية ليُحلّ محلها قيم جديدة خادمة لأهدافه.

إن من أبرز المظاهر التي عكستها أولمبياد باريس، هذا التناقض الصارخ بين ما يدعيه الغرب من احترام حرية التعبير والدين، وبين ممارساته على أرض الواقع.

وقد عكس ذلك التناقض ما تم من منع المحجبات من المشاركة في المنافسات، والاحتفاء غير المسبوق بالتنوع الجنسي والعرقي؛ مما يؤكد تحكم النزعة العنصرية والاستعمارية في سياسات الدول الغربية، وفرنسا تحديدا التي تمثل عنوانا بارزا للثقافة الغربية.

ختاما

لقد كانت أولمبياد باريس 2024 فرصة لتسليط الضوء على التناقضات السياسية والأخلاقية التي تحكم المشهد الدولي في عالمنا المعاصر في ظل القيادة الغربية

وقد كشفت الأحداث التي شهدتها الأولمبياد أن الرياضة أصبحت وسيلة لتعزيز هيمنة القوى الكبرى، كما أكدت النفاق المتجذر في نسيج النظام الدولي في ظل الهيمنة الغربية، وأن الرياضة في عالم اليوم لم تعد ساحة للوحدة والسلام بقدر ما أصبحت ساحة للصراعات السياسية والاقتصادية، حيث تتم التضحية بالقيم والمبادئ على مذبح المصالح.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان