استمرار نمو الاقتصاد الإيراني رغم العقوبات وأجواء الحرب

منذ اغتيال الشهيد إسماعيل هنية بنهاية الشهر الماضي في طهران، يترقب الجميع رد الفعل الإيراني على ذلك الاختراق الإسرائيلي، ما بين توقعات بهجوم إيراني متزامن مع هجوم آخر من قبل قوى المقاومة في لبنان واليمن، وتوقعات تشير لانفراد إيران بالرد أولًا، بينما تتجه توقعات لتأجيل الرد الإيراني لحين اكتمال البرنامج النووي، وتوقعات أخرى بضربة إسرائيلية استباقية لإجهاض الرد الإيراني.
ويرتبط حدوث تلك التوقعات كلها بالحسابات العسكرية الإيرانية التي تركز على رد الفعل الإسرائيلي بعد ضربها، خاصة وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى لتوسيع دائرة الحرب وإطالة أمدها، وما يرتبط بذلك من إطالة مدة بقائه بالحكم ونجاته من المحاسبة على الإخفاق بعملية “طوفان الأقصى”، وسعيه بتلك الفترة لإنجاز بعض العمليات التي تساعده للادعاء بتحقيق ما وعد به من أهداف مع بداية الغزو البري لغزة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وهكذا تتداخل العوامل العسكرية والسياسية لإطالة أمد الحرب، وهو ما يتضح بجلاء مع تعمد رئيس الوزراء الإسرائيلي إجهاض المفاوضات الرامية لوقف إطلاق النار، وسعيه لتوريط الولايات المتحدة لحرب إيران باعتبارها العدو المشترك لهما، التي أعلنت مساندتها لإسرائيل رغم ما ترتكبه من عمليات إبادة جماعية ومذابح مستمرة، وتقدم لها المزيد من الدعم والأسلحة والمال عقب تلك المذابح المتتالية.
وفي إطار تبين موقف الاستعدادات الإيرانية التي تمكنها من توجيه ضربة انتقامية لإسرائيل، فإن الأمر لا يقتصر علي الاستعدادات العسكرية وما لديها من مُسيّرات وصواريخ، بينما تكرر اختراق المجال الإيراني بما نتج عنه من تكرار لعمليات الاغتيال لعلماء إيرانيين ولشخصيات إيرانية بارزة في الداخل والخارج، إلى جانب الموقف الاقتصادي للبلاد الذي أنهكته العقوبات الأمريكية والأوروبية المتكررة منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وحتى الآن، الذي انعكس على تراجع سعر صرف الريال الإيراني وارتفاع معدلات التضخم وصعوبات تطوير الصناعة.
إنتاج النفط يتخطى 3 ملايين برميل يومي
وإذا كانت إيران بسكانها البالغين 88 مليون نسمة تحتل المركز السابع عشر دوليًا، وبمساحتها البالغة 1.648 مليون كيلو متر مربع تحتل المركز 19 عالميًا، فإنها قد احتلت المركز 36 دوليًا حسب حجم الاقتصاد بالعام الماضي حسب الناتج المحلي الإجمالي بسعر الصرف البالغ 401.5 مليار دولار، ونعتقد أن تلك القيمة للاقتصاد لم يدخل فيها حجم الاقتصاد الخاص بالحرس الثوري، الذي يمتلك مصانع وشركات وفروعًا بالقطاع المصرفي والبنية التحتية والإسكان والطيران والسياحة وغيرها، وكذلك الاقتصاد غير الرسمي خاصة عمليات التجارة التي تتم عبر الحدود المترامية مع دول الجوار كالعراق وباكستان وتركيا وأفغانستان وأذربيجان.
ويؤكد ذلك ليس فقط بلوغ قيمة الاقتصاد 1.598 تريليون دولار بطريقة تعادل القوى الشرائية واحتلاله المركز 22 دوليًا، وإنما استمرار الاقتصاد الإيراني بتمويل الجهات التي يحتضنها النظام الإيراني في سوريا ولبنان واليمن والعراق، رغم ما يتعرض له من عقوبات غربية وحصار لمنع الدول من التعامل التجاري والاستثماري معها.
وتلعب صادرات النفط الخام دورًا رئيسًا بالاقتصاد الإيراني، حيث احتلت المركز الحادي عشر بصادرات الخام والمشتقات في العام الماضي بكمية 1.731 مليون برميل يوميًا، كما يكشف عن ذلك تراجع قيمة الصادرات الإيرانية السلعية بالسنوات التي ينخفض بها سعر النفط، مثلما حدث بسنوات 2015 و2016 و2019 و2020، بينما ترتفع قيمة تلك الصادرات بسنوات ارتفاع سعر النفط مثلما حدث بسنتي 2011 و2012 وبالعامين الماضيين، رغم العقوبات الأمريكية التي تدفع بعض الدول لعدم استيراد النفط منها.
ورغم أن بيانات “أوبك” قد ذكرت أن نسبة صادرات الخام الإيراني بالعام الماضي لم تمثل سوى نسبة 41% من مجمل الصادرات الإيرانية، إلا أن النسبة تزيد بإضافة صادرات المشتقات، وتتطلع إيران لزيادة صادراتها من النفط التي تصدره حاليًا لنحو 17 دولة، أبرزها الصين التي لم تلتزم بالحظر الأمريكي لاستيراد النفط منها، من خلال الالتفات حول العقوبات بالتحميل من سفينة إلى أخرى وادعاء القدوم من بلدان لا تخضع للعقوبات، ومنح الدول المستوردة مزايا إضافية بالسعر وتسهيلات بالدفع أو ربط تصدير النفط باستيراد سلع من تلك الدول.
ولهذا تسعى إيران لزيادة إنتاجها من النفط الخام الذي بلغ في العام الماضي 2.859 مليون برميل يوميًا لتحتل المركز الثامن بالعالم، وها هي تتخطى رقم الثلاثة ملايين برميل يوميًا في العام الحالي حتى وصل إنتاجها إلى 3.251 ملايين برميل يوميًا بشهر يونيو/حزيران الماضي، يساعدها على ذلك احتلالها المركز الثالث باحتياطيات الخام بعد فنزويلا والسعودية وبنصيب 13% من الاحتياطي العالمي، إلى جانب إعفائها من نظام حصص التصدير الذي تفرضه دول “أوبك بلس” على أعضائها.
استهلاك غالب إنتاج الغاز الطبيعي محليًا
أما بالغاز الطبيعي ورغم احتلالها المركز الثالث دوليًا بإنتاجه بعد الولايات المتحدة وروسيا، إلا أنها تستهلك معظمه محليًا، حيث يمثل استهلاك الغاز الطبيعي نسبة 70% من موارد الطاقة بها، مقابل 27.5% للنفط و1.7% للطاقة الكهرومائية وأقل من 1% للفحم ونصف بالمائة للطاقة النووية ونسبة اثنين بالألف للطاقة المتجددة، والنتيجة أنه رغم بلوغ الإنتاج المسوق 275 مليار قدم مكعب في العام الماضي، فلم يتم تصدير سوى أقل من 13 مليار متر مكعب لتحتل المركز التاسع عشر دوليًا بتصديره.
ومن أبرز الصادرات الإيرانية حسب القيمة الحديد والصلب ومصنوعاتها والمطاط والبلاستيك والمواد الكيماوية، والفواكه الطازجة والمجففة والأسمنت والسيراميك والخامات المعدنية والسجاد سواء اليدوي أو الآلي والسيارات لتحتل المركز 43 بالصادرات دوليًا في العام الماضي، إلا أنها تعاني من عجز بميزانها التجاري الزراعي بلغ في العام المالي 2021/2021 حوالي 12 مليار دولار، حيث بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي حينذاك من الأرز 73% والقمح 56% والشعير 43% والذرة 7% والبذور الزيتية 13.5% والزيت النباتي الخام 29%.
وعلى عكس الفائض التجاري السلعي المستمر بالعشرين عامًا الأخيرة، فقد حققت التجارة الخدمية الإيرانية عجزًا دائمًا بتلك السنوات خاصة في قطاعات السياحة وخدمات النقل، والاتصالات والتشييد والخدمات المالية والكمبيوتر والمعلومات ورسوم الترخيص والخدمات الحكومية.
وتأثر الاستثمار الأجنبي الداخل لإيران باستمرار العقوبات لتبلغ أعلى قيمة سنوية له في السنوات الخمس الأخيرة 1.5 مليار دولار، ومن الطبيعي أن تتأثر البورصة الإيرانية بأجواء الحصار والعقوبات فيما يخص استثمارات الأجانب فيها، كما انخفضت موارد تحويلات العمالة الإيرانية في الخارج، إلا أن الاقتصاد الإيراني استطاع رغم ذلك أن يقلص نسب العجز بالموازنة، وكذلك نسب الدين الحكومي للناتج المحلي الإجمالي إلى 28% في العام الماضي، مع انخفاض قيمة الديون الخارجية لأقل من 10 مليارات دولار عام 2022.
كما استطاع الاقتصاد الإيراني رغم العقوبات والحصار الاستمرار بتحقيق معدلات نمو بالناتج المحلي الإجمالي، في السنوات الأربعة الأخيرة ومنها عام ظهور فيروس كورونا، ليصل النمو بالعام الماضي 4.7%، وبآخر تقرير لصندوق النقد الدولي الشهر الماضي توقع بلوغ النمو 3.3% بالعام الحالي رغم انخراط إيران وحلفاؤها بالحرب في غزة، كما توقع الصندوق استمرار تحقيق نمو في العام المقبل بنسبة 3.1%.
