عودة شلل الأطفال.. يعتاد الناس المآسي حين يتمكن منهم اليأس

أطفال غزة بين القصف والحصار (الأناضول)

(1)

شلل الأطفال يعود إلى غزة

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية تسجيل أول إصابة بفيروس شلل الأطفال في قطاع غزة، إذ تم تشُخيص رضيع (عمره 10 أشهر) بشلل الأطفال؛ لأنه لم يتلق أي جرعة تحصين ضد المرض.

وكانت غزة خالية من الفيروس طوال 25 سنة، لكن نقص التطعيمات بسب اندلاع الحرب وتدمير القطاع الصحي جعلها عرضة للعديد من الأمراض، ومنها شلل الأطفال الذي ظهر فيروسه حسب وزارة الصحة في القطاع في مياه الصرف الصحي التي تتجمع بين خيام النازحين وفي أماكن وجود السكان.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وكأن غزة لا يكفيها الدمار الذي حدث لها بل يضاف إليه محنة جديدة وهي تدمير صحة الأجيال الجديدة، وكأن الخراب يحاصرها في الحاضر والمستقبل. المنظمات الأممية المعنية بالطفولة والصحة تدق أجراس الخطر وتتحدث عن الكوارث الصحية التي تحدث في غزة نتيجة القصف الإسرائيلي المستمر وتدهور الظروف المعيشية والخدمية لسكان القطاع وتطالب بسرعة إدخال شتي أنواع المساعدات إلى القطاع، ولكن في إسرائيل هناك من يجد أن حصار غزة وتجويع سكانها وتركهم عرضة للموت والمرض جزء من وسائل الضغط على حماس.

وهذا كله يحدث تحت نظر المجتمع الدولي الذي تقود خطواته في النهاية الولايات المتحدة الأمريكية.

(2)

تهدئة وليس وقف إطلاق نار

كان الأمل كبيرا في أن تفضي مفاوضات الدوحة يوم الخميس 15 أغسطس/آب الماضي إلى وقف إطلاق النار والبدء في تنفيذ المقترح الذي قدمه الرئيس الأمريكي بايدن في خطابه يوم 31 مايو/أيار الماضي المتفق مع مقترح إسرائيل الذي قدمته سلفًا للوسطاء، وكان مكوّنًا من ثلاث مراحل يتم خلالها وقف إطلاق النار ثم الانسحاب الإسرائيلي من القطاع وعودة النازحين والبدء في إعمار غزة وهو ما وافقت عليه حماس.

وكان المتوقع أن تكون مهمة جولة المفاوضات الجديدة وضع آليات لتنفيذ المقترح. لكن نتنياهو كعادته انقلب على ما وافق عليه سابقا وتم خلط الأوراق بمعاونة أمريكا التي تعد شريكًا كاملًا لجيش الاحتلال فيما يحدث في غزة من مجازر، وانتهى الأمر بوزير الخارجية الأمريكي إلى السعي للضغط على حماس من قبل الوسطاء: مصر وقطر للقبول بمقترح الهدنة المؤقتة وتبادل الرهائن ثم العودة للقتال والاستمرار في تدمير غزة بهدف القضاء على حماس، وهو هدف تعلنه إسرائيل وتوافق عليه أمريكا.

فهل يمكن لعاقل أن يتوقع من حماس الموافقة على الانخراط في تفاوض هدفه القضاء عليها وتسليم غزة إلى إسرائيل بلا قيد أو شرط؟!!  كما أن نتنياهو الذي وافق من قبل على الانسحاب من محور فيلادلفيا وممر نتساريم تراجع وأعلن أنه لن ينسحب منهما تحت أي ظرف رغم الضغوط التي تمارس عليه! لأنهما مواقعان استراتيجيان يخدمان أمن إسرائيل عسكريا وسياسيا.

ماذا فعلت الإدارة الأمريكية التي تعد الوسيط المتبني لوجهة نظر إسرائيل والملتزم بحمايتها حيال هذا الوضع الجديد؟ خرج علينا الرئيس الأمريكي ليعلن للصحفيين أن حماس هي التي تضع العراقيل أمام صفقة وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن! وهو تدليس صريح وعلني، فالمقترح المعروض على حماس هدنة مؤقتة وليس وقف إطلاق نار تتبعه تسوية شاملة وعادلة تحفظ حقوق الفلسطينيين في الحياة بكرامة على أرضهم.

يحاول نتنياهو الاستفادة القصوى من توقيت الانتخابات الرئاسية الأمريكية واستغلال الفرصة المتاحة، فكلا المرشحين: هاريس وترامب، حريص على إبداء التزامه الكامل بحماية إسرائيل خوفا وطمعا في جماعات الضغط الصهيونية ذات التأثير والنفوذ، كما أن الوجود العسكري المكثف والقوي لأمريكا في المنطقة، جعل إيران تحسب من جديد وبعقلانية شديدة الرد المناسب على اغتيال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس على أرضها الذي أكدت حينها أنه سيكون ضخما ومؤثرا، وكذلك الحال بالنسبة لحزب الله الذي تتعرض كوارده وقيادات المقاومة الفلسطينية في لبنان للاغتيال بأيدي قوات الاحتلال بوتيرة سريعة وغير مسبوقة تجعلنا نشك في وجود ثغرة أمنية في صفوف حزب الله.

تبدو الأمور وكأنها تسير في صالح إسرائيل وضد حماس ومحور المقاومة، والواقع يقول إن مواجهة أمريكا صاحبة أقوى جيش في العالم وأضخم ميزانية للدفاع تهوّر، فهي أكثر دول العالم انخراطا في حروب خارجية، تستخدم فيها قوتها الجبارة لسحق خصومها أو من يتجرأ على التمرد على نفوذها أو المساس بمصالحها، ورغم ما تتركه وراءها من خراب وتدمير وأعداد هائلة من الضحايا المدنيين فهي تتحدث عن نفسها على أنها راعية السلم والاستقرار العالمي وصاحبة القيم والمثل العليا!!

(3)

الإمبراطوريات العظمى

على مدار التاريخ لم تستمر الإمبراطوريات العظمى التي حكمت مناطق واسعة من الأرض على قمة العالم، رغم أنها كانت تمتلك حينها كل أدوات القوة الساحقة اللازمة بجانب المعرفة والعلم والرفاهية والنموذج الذي يحاول أهل هذا الزمان تقليده لشعورهم بالدونية أمام تفوق المنتصر. أسباب انهيار الإمبراطوريات وسقوطها متعددة، لكن النهاية واحدة. إمبراطورية تسقط وأخرى تصعد وهكذا دواليك.

وهذا السقوط لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يكون نتاج صعود قوى أخرى متمردة على القوة القديمة وتنافسها، صراع طويل يضعف القوة القديمة نتيجة تكرار الهجوم عليها، والتسبب في خدوش بسيطة في الكيان العملاق لكن التراكم يحول هذه الخدوش إلى جروح نازفة وتتبدل مع الأيام القوة إلى وهن وتشظٍّ للقوة المركزية. هناك دول تقاوم النفوذ الأمريكي وتحكّمه في النظام العالمي وتعلن موقفها علنا مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا، وهناك دول أخرى تتمنى ذلك لكنها تخشى الانتقام الأمريكي إذا أعلنته صراحة.

الأمر في غزة الآن يبدو أنه لصالح إسرائيل بسبب الانحياز والدعم الأمريكي، لكن الأمور أعمق مما تبدو، فخدوش محور المقاومة في الشرق الأوسط وروسيا في أوروبا والصين في آسيا لها أثر وتأثير ويجب على الناس عدم التقليل من شأنها، والمهم أن لا يفقد العامة إيمانهم بالحق، وأن لا يعتادوا الظلم، وأن يتمردوا على المآسي؛ فهي ليست قدرا محتوما لكنها اختبار لليقين والإرادة.

والله غالب على أمره

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان