“السنوار”.. هل يستمر في مفاوضات صفقة الأسرى أم ينتظر الثأر لـ”هنية”؟

جاء تصعيد حركة حماس لقائدها في غزة يحيى السنوار (61 سنة)، رئيسا لمكتبها السياسي، بمثابة صدمة مرعبة وقاسية، لدولة الاحتلال. فالسنوار يمثل لقادة الكيان الصهيوني رمزا وشبحا مُخيفا، يطرق على أدمغتهم، تذكيرا لهم، بالفشل الاستخباري والأمني والعسكري يوم الطوفان (7/ 10/ 2023). ورغم امتلاك الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية، لأحدث وسائل التنصت والمراقبة، فلم تتوصل هذه الأجهزة أو تتنبأ بأن السنوار سيخلف رئيس المكتب السياسي للحركة الشهيد إسماعيل هنية، الذي اغتالته يد الإرهاب الصهيونية في العاصمة الإيرانية طهران، قبل نحو أسبوع في مقر إقامته، عقب مشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان.
اختيار السنوار جرى بالإجماع حسبما أفاد به قادة لحماس. وهي رسالة حاسمة إلى الاحتلال، للتخلي عن أوهامه بإلقاء حماس للسلاح، وإبعادها عن إدارة القطاع في اليوم التالي للحرب. وأنه لن يحصل على أسراه، إلا بشروط المقاومة، وسيتم استنزاف الجيش الإسرائيلي باستمرار ما دام موجودا في القطاع، وأن الحركة ماضية في المعركة حتى النهاية من دون تنازلات.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
فالسنوار موصوف فلسطينيًّا بأنه “الصقر الجريء”. وإذا كان ثمة تحفُّظ على اختفاء السنوار، بمكانه السري داخل الأنفاق، فمن طبائع الأمور أن تُدار شؤون مثل هذه التنظيمات السرية، وحركات المقاومة، عبر شبكات اتصالات مؤمنة، وأفراد غير معروفين موثوق بهم، وإجراءات أمنية مُحكمة، تماما مثل حالة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، الذي يدير الحزب وقواته وشؤونه السياسية، والاتصالات من مقره السري.
الرعب
في أول ردّ إسرائيلي، فقدَ وزير خارجية الكيان يسرائيل كاتس صوابه؛ داعيا إلى سرعة تصفية السنوار، و”محو منظمة حماس” من الوجود، كأنه لا يدرك فشل جيش الاحتلال طوال الأشهر العشرة الماضية في تصفية حماس، أو الوصول إلى السنوار.
وازدحمت وسائل الإعلام العبرية، بالتحليلات، والإعراب عن القلق، وتقريع نتنياهو لإقدامه على اغتيال “هنية”، المرن تفاوضيا، ليخلفه مهندس عملية طوفان الأقصى السنوار، الأكثر تشددا (من وجهة نظر إسرائيلية). المسؤولون الأمريكان، بدورهم لم يفتهم وصم السنوار، بأنه “إرهابي” متجاهلين قيادته لمقاومة مشروعة للاحتلال الغاصب لوطنه. يتجاهل هؤلاء المسؤولون، أن دولتهم إرهابية، متجردة من الاخلاق والقيم الإنسانية، بما صنعته في فيتنام، وأفغانستان، والعراق.. احتلالا، وقتلا للبشر، وتخريبا للعمران، وتدميرا، باستخدام كافة الأسلحة، بما فيها المُحرمة دوليا. وبما تقدمه من دعم غير محدود للاحتلال الإسرائيلي، فيما يمارسه على مدار عشرة أشهر من قتل جماعي، ومجازر، وتجويع وإبادة لمليوني إنسان، بأسلحة وقنابل أميركية فتاكة.
إسقاط الأساطير
يذهب بعض الآراء، إلى أن القائد يحيى السنوار مجرد مقاتل، أو رجل حرب استنادا إلى كونه المهندس والمُخطط، مع رئيس أركان كتائب القسام محمد الضيف، وآخرين لعملية طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023). هذه الرؤية يعيبها النظر إلى “الطوفان”، باعتباره عملية عسكرية بحتة، في حين أنه “ضربة استراتيجية” قوية، ذات أبعاد عسكرية، وسياسية، وأمنية، واقتصادية، لا تزال مفاعيلها تتوالى على الكيان. ذلك أن تداعيات هذا “الطوفان”، أفضت إلى صعود القضية الفلسطينية إلى بؤرة اهتمام شعوب الدنيا، بعد أن شبعت مواتا في السنوات السابقة، على خلفية فشل اتفاقيات أوسلو (1993)، التي انتهت بالسلطة الفلسطينية في رام الله، إلى مجرد حارس لتأمين الكيان، وملاحقة المقاومين الفلسطينيين. كما أسقط الطوفان أساطير الأمن، والردع، والتفوق، و”الجيش” الذي لا يقهر، ولا سيما أنه لم يجنِ من عدوانه على غزة سوى الفشل، وارتكاب جرائم الحرب ضد المدنيين، وانكشاف سقوطه الأخلاقي.
السنوار، إذن، ليس مجرد قائد عسكري، بل هو سياسي من الدرجة الأولى، امتلك خبرات واسعة من انخراطه في الكيانات الطلابية، أثناء دراسته الجامعية، وانضمامه إلى حركة حماس مبكرا، والتدرج في مستوياتها القيادية، والمساهمة في تأسيس الجناح العسكري لها. ثم إنه أمضى 23 عاما من عمره نزيلا بالسجون الإسرائيلية، استغلها واستثمرها في تعلم العبرية، وقراءة وتأمُّل المجتمع الإسرائيلي، وثقافته وآدابه ورؤاه، ونمط تفكيره؛ ليكون أكثر الفلسطينيين فهما واستيعابا للعقلية الصهيونية، ومسارات تفكيرها.
سؤال الصفقة
السؤال الشاغل لأمريكا، والعالم الآن، هو عن مصير “مفاوضات” صفقة تبادل الأسرى، التي تراوح مكانها منذ شهر مايو/أيار الماضي، وما إذا كانت ستستمر أم لا. وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، دعا يحيى السنوار إلى أن يحدد موقفه بشأن وقف إطلاق النار في غزة، لافتا إلى أنه لم يكن بعيدا عن المفاوضات في المراحل السابقة.
الأمريكان يعلمون جيدا أن نتنياهو هو الذي يُعرقل نجاح الصفقة، فهو يريد من حماس تسليم الأسرى مقابل الإفراج عن بعض الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال من دون التعهد بوقف الحرب في غزة، في حين أن ورقة الأسرى هي الرابحة بيد حماس، ولا يمكن التفريط فيها هكذا من دون مُقابل. ورغم إدراك أميركا لهذه الحسابات والمواقف، فإنها تلقي باللائمة دائما على الحركة، التي أبدت مرونة كافية. المشكلة أن التيار الصهيوني متغلغل في أركان الإدارة الأميركية، وقد أحال مسؤوليها إلى ببغاوات يرددون أكاذيب نتنياهو، عن المقاومة بلا خجل.
الثأر للشهيد إسماعيل هنية
لا جدال في أن السنوار، من موقعه رئيسا للمكتب السياسي للحركة، يعنيه وقف الحرب، لتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني في القطاع. تأكيدا لن يمانع في عقد الصفقة إذا كانت عادلة، تحقق مطالب الحركة وشروطها، لكنه لن يستمر في مفاوضات عبثية بدون نتيجة سوى تضييع الوقت. وربما لن يتعجل الانخراط، في التفاوض إلا بعد أن يثأر محور المقاومة (إيران، وحزب الله، وأنصار الله، حماس)، من الاحتلال، لدماء الشهيدين إسماعيل هنية والقيادي بحزب الله فؤاد شكر، واستهداف ميناء الحديدة اليمني. من شأن “الثأر”، عند حدوثه إعادة توازن الردع، بين المحور، والاحتلال بما يقوي، ويدعم موقف حماس التفاوضي، لتمكينها من انتزاع ما تريد.
المجد للمقاومة.
