ثلاث رصاصات في قلب التطبيع

أردنيون في مسيرة دعمًا للفلسطينيين في غزة وتكريمًا للمواطن الأردني الشهيد (رويترز)

 

الرصاصات الثلاث التي خرجت من مسدس الأردني ماهر الجازي لم تقتل فقط 3 جنود إسرائيليين، بل إنها أصابت في القلب مسيرة التطبيع التي حلم بها نتنياهو، ووعد بها شعبه بعد أن نجح في نسج علاقات علنية وسرّية مع العديد من الأنظمة العربية.

لم يكن الجازي يعبّر عن نفسه بما فعل، بل عبّر عن ضمير الشعوب العربية والإسلامية، كما أنه لم يكن الوحيد في هذا المسار، سبقه آخرون منذ اندلاع معركة طوفان الأقصى، مثل المجموعة التي قتلت رجل الأعمال والمخابرات الإسرائيلي زئيف كيبار في الإسكندرية في مايو/أيار الماضي، والشاب التركي حسن سكلاتان الذي طعن جنديا إسرائيليا في القدس، والناشطة التركية الأمريكية عائشة نور التي تحدت الاحتلال الإسرائيلي، وشاركت في مظاهرة تضامن في نابلس فقتلها جيش الاحتلال، أو الاشتباكات المتقطعة على الحدود المصرية الفلسطينية، وآخرها ما حدث مساء الاثنين الماضي من دهس لجنود إسرائيليين حسب الإعلام الإسرائيلي.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

هذه الحوادث، وإن بدت فردية وغير منظمة حتى الآن، إلا أنها تعبّر عن الضمير الشعبي الرافض للتطبيع، والذي لم يجد فرصة للتعبير عن تضامنه مع الأشقاء الفلسطينيين بالطرق السلمية التقليدية بعد أن حالت الحكومات دون هذا التعبير خوفا على عروشها، وخوفا من غضب الكيان الصهيوني عليها.

تضامن أردني واسع

الشعب الأردني خاض معارك كبرى دعما للحق الفلسطيني من قبل، ولا ننسى هنا معركة الكرامة يوم 21 من مارس/آذار 1968، أي بعد نحو عام من هزيمة يونيو/حزيران 1967، وكان طرفاها جيش الاحتلال الإسرائيلي من جهة والجيش الأردني والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، وقد استمرت 15 ساعة وانتصر فيها الطرف العربي، وفقد العدو 250 من جنوده مع إصابة 450 آخرين مقابل استشهاد 185 جنديا أردنيا وفلسطينيا، والمهم أن المعركة أفشلت خطة جيش الاحتلال للوصول إلى العاصمة عمّان ولو بشكل مؤقت.

كل محاولات فرض التطبيع على الشعوب العربية باءت بالفشل منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، وظلت جميع اتفاقات التطبيع حبيسة الدواوين الرسمية، والعلاقات الرسمية بين الحكومات، بينما اتخذت مؤسسات المجتمع الأهلي مواقف مناهضة مثل النقابات المهنية والعمالية والاتحادات الطلابية ونوادي التدريس ومراكز الشباب، والنخب الثقافية والفنية، وحين حاولت بعض النخب الثقافية المصرية (مجموعة كوبنهاغن) كسر هذا الجدار وجدت نفسها محاصرة ومنبوذة شعبيا، وقد قرأنا أخيرا لأحد رموز تلك المجموعة (أسامة الغزالي حرب) اعتذارا علنيا في مقال له بصحيفة الأهرام.

توقف قطار التطبيع

شعوب كل الدول العربية التي تورطت حكوماتها في التطبيع، وخاصة بعد قيام سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني كان قاطعا في رفضه للتطبيع، وإعلانه عن ذلك الرفض بأشكال مختلفة أيضا.

قبيل طوفان الأقصى مباشرة، كان قطار التطبيع الرسمي على وشك الوصول إلى محطته النهائية بالتحاق من لم يلتحق من الدول العربية، لكن الطوفان جرف تلك المحطة في طريقه، وتسبب العدوان الإسرائيلي والمذابح البشعة التي ارتكبها بحق أهل غزة في تأجيج نار العداء والثأر والانتقام لدى الشعوب العربية، وحاولت التعبير عن غضبها بأشكال مختلفة، فنظمت حملات مقاطعة مؤثرة ضد الشركات الداعمة للاحتلال، ونظمت حملات لجمع التبرعات الشعبية، وإرسال قوافل الإغاثة التي حال جيش الاحتلال دون وصول معظمها، وحاولت التعبير عن غضبها عبر التظاهر فتمكنت في بعض الدول ولبعض الوقت، ومُنعت في دول عربية أخرى، واعتُقل ناشطوها، في الوقت الذي كانت العواصم والجامعات الغربية تعج بالمظاهرات المنددة بالعدوان.

رصاصات الجازي الثلاث، مع غيرها من مظاهر الغضب الفردي والجماعي في عواصم عربية وإسلامية مختلفة، هي طعنات جديدة في مسار التطبيع، أو هي كاشفة لرفض الشعوب لهذا التطبيع، ولم تعد حركة الإسرائيليين -سواء كانوا دبلوماسيين أو تجارا أو سياحا- حرة أو آمنة، وهو ما يتكرر في مصر وتونس والمغرب، وهذه الأخيرة لم تغب عنها المظاهرات الرافضة للعدوان والتطبيع معا.

حصار الغضب

هي عملية فردية إذَن من الجازي، لكن تأثيرها فاق تأثير تحركات دول وجيوش عربية تراوح مكانها، ولا تريد أن تتورط في مواجهة مع الكيان خوفا من نتائجها، مثل هذه العملية الفردية حال تكرارها ستمثل جبهة مرعبة للعدو الذي بدأ بالفعل يشعر بالخطر يحيطه من كل جانب، وهو ما عبّر عنه رئيس الحكومة نتنياهو شخصيا الذي حاول إقناع شعبه كثيرا من قبل أن مشكلته مع الشعب الفلسطيني في غزة والضفة فقط.

حرمان الشعوب العربية من التعبير عن تضامنها مع أشقائها الفلسطينيين بشكل سلمي يجبر البعض على التعبير بطريقة مسلحة، مستخدما كل مهاراته لتحقيق هدفه، ويجعل كل محتل إسرائيلي هدفا للغاضبين في أي مكان.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان