نقيب الصحفيين المصريين.. لماذا هاجمته تشريعية البرلمان بعنف؟

في سابقة غريبة، وفريدة.. أصدرت لجنة الشئون التشريعية والدستورية بمجلس النواب (الغرفة الأولى لبرلمان مصر)، بيانًا ناريًا، صبّت فيه جام غضبها، وسخطها على نقيب الصحفيين المصريين خالد البلشي.
البيان بدا مرتبكًا، مُزدحمًا بمفردات وعبارات شديدة الفجاجة والغلظة والخشونة، في لغة لا تليق بلجنة على هذا المستوى، موكول إليها سن التشريعات بالبرلمان.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
اللجنة، وفقًا للائحة مجلس النواب (مادة 44)، تختص بمهام عديدة؛ على رأسها، تعديل القوانين بما يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية والدستور و”التشريعات المكملة للدستور”، منها هذا القانون (الإجراءات الجنائية).
مثل هذه التشريعات هي “قواعد قانونية” ترتبط ارتباطًا دستوريًا وثيقًا بالحقوق والحريات، ومع احتمال تغييرها أو تعديلها من آن لآخر تلبية لحاجة مجتمعية، فإن المُشرع الدستوري كلف البرلمان بتشريعها وأوجب إقرارها بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان.
إعلاميو الموالاة.. والفضائيات شبه الحكومية
بيان اللجنة، الغاضب؛ جاء ردًا منها على “البلشي”، الذي كان قد أصدر بيانًا باسم نقابة الصحفيين، ينتقد فيه بعض نصوص “مشروع قانون الإجراءات الجنائية”، ويتناول في بيانه 41 مادة من بين مواد المشروع (540 مادة)، مطالبًا بتعديلها وتحريرها من شبهات التناقض مع “الدستور”، كاشفًا إخلالها بالضمانات المقررة دستوريًا لحريات وحقوق المواطنين. لافت للنظر بشدة أن مفردات بيان اللجنة وكلماته بدت مُستوحاة من قاموس عدد مُعتبر من “إعلامي الموالاة” بالفضائيات شبه الحكومية، الذين يعتنقون لغة يغلُب عليها طابع التحريض والتخوين لكل من يُبدي رأيًا مُخالفًا للحكومة؛ تسفيهًا لهذا الرأي وتخويفًا لصاحبه وربما سبُه وشتمه أحيانًا.
جدار حرية الرأي.. والنوايا الخبيثة
البلشي في بيانه، أعر ب عن الرفض الشديد لـ”مشروع القانون”، واصفًا إياه بالكارثي، ونبه إلى أهمية إجراء نقاشات جادة، وحوار مجتمعي حقيقي للمشروع؛ كونه يُخالف في بعض نصوصه “الدستور”، ولا يساوي بين سلطتي الاتهام والدفاع، كما أنه يجعل المتهم تحت رحمة السلطة التنفيذية أثناء وقائع التحقيق والمحاكمة عن بُعد، ولا يجعله قادرًا على التأكد مما دوّن في التسجيل أو المحضر، وأنه يطابق أقواله ودفاعه أثناء التحقيق أو المحاكمة.
“تشريعية النواب” في بيانها افتعلت معركة، وتحدثت عما أسمته نوايا خبيثة لمعارضي المشروع، وأفرطت في إسباغ توصيفات على بيان “نقيب الصحفيين خالد البلشي” تتنافي مع فكرة الحوار؛ على شاكلة أن كلمته تفتقر إلى الدقة، وتشويه للحقائق، وتعتمد على مغالطات فجة، وإثارة للرأي العام، وأنه (البلشي)، يعمد إلى تضليل الرأي العام، بما يعزز مناخ التشكيك، متوعدةً البلشي، بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما قالت إنه إرباك الرأي العام.
الطريف في بيان التشريعية، وصفه للبلشي “بأنه يستتر خلف جدار حرية الرأي”، ما أثار موجة واسعة من السخرية، فـ”فكرة الحرية” في حد ذاتها تتناقض تمامًا مع فكرة الجدران والأسوار والقيود، فكيف انزلق كاتب البيان إلى هذا التناقض في المعنى؟ كيف ينحدر مستوى الصياغة إلى هذا التناقض في بيان رسمي صادر عن اللجنة الموكول إليها صياغة نصوص التشريعات لتكون منضبطة، مُحكمة المعنى؟.
عمامة الوعظ والقانون الإلهي
الأغرب حين ارتدى البيان عمامة الواعظ؛ ناصحًا معارضي المشروع بإدراك أن “العدالة لا تخضع للأهواء”. ألا يدركون (هم) الفرق بين “العدل” الذي يُفترض أنه غاية القوانين، و”العدالة”، التي هي فكرة أخلاقية مرتبطة بالخير والضمير والقيم وينظر إليها (أحيانا)، باعتبارها قانونًا إلهيا؟.
نقابة الصحفيين يمثلها نقيبها خالد البلشي، اختارت المشاركة في الحوار، باعتبارها من منظمات المجتمع، معنية مهنيًا بالقانون، حفاظًا على حرية الصحافة، وتداول المعلومات؛ من زاوية أنها تمثل الرقابة الشعبية، ونبض الناس، وضمير الأمة، من ثم عليها الاشتباك مع هذه القضية، وأمثالها، التي وأن كانت تُهم مهنة الصحافة بشكل خاص؛ إلا أنها في الآن ذاته، قضية عامة ذات أهمية قصوى لكل المجتمع وأفراده.
إدراكا لأهمية “قانون الإجراءات الجنائية”، ومن ثم اهتمام نقابة الصحفيين، بالمشاركة في النقاش لمشروعه؛ علينا الانتباه إلى أن هذا القانون لصيق الصلة بحرية الفرد، وحقوقه حال وقوعه متهمًا، أو مُشتبهًا بارتكابه جريمة. من هُنا، فالنقابة تعي جيدًا، أهمية مراعاة التوازن بين الإجراءات الجنائية، وحقوق المواطن وحماية حريته الشخصية، وحقه في التنقل، فالأصل في الإنسان هو البراءة؛ لذا، فإن الدساتير تلقي بمسؤولية إثبات الاتهام على عاتق سلطات التحقيق.
الحبس الاحتياطي والمنع من السفر
في هذا السياق، فـ”القانون الجنائي” يتفرع إلى فرعين؛ أولهما، قانون العقوبات، ويُحدد في نصوصه عقوبة لكل جريمة، حيث لا تجريم ولا عقوبة إلا بناء على قانون، كما لا يتم توقيع العقوبة على الجاني إلا بحكم قضائي، وعن أفعال لاحقة لسريان القانون، فالعقوبات لا تُطبق بأثر رجعي، ثانيهما، قانون الإجراءات الجنائية؛ الذي يضم مجموعة القواعد الحاكمة لمسار الدعوى الجنائية منذ ميلاد الجريمة وتعقب مرتكبها، ووسائل التحقيق معه، وحتى صدور الحُكم فيها وتنفيذه.
هذا، مع حماية حرية المواطن سواء من تعدي المجرمين أو من الدولة، فهو ضمانة مُهمة للمحاكمة الجنائية؛ يكفل للدولة الحق في العقاب بالتوازي مع صون الأبرياء وحمايتهم والحفاظ على حقوقهم وكرامتهم. بهذه المثابة فـ”الإجراءات الجنائية” هي القانون المُنظم لقرارات سلطات التحقيق بالحبس الاحتياطي والمنع من السفر لمن يكون سيف الاتهام مُسلطًا على رقابهم. غني عن البيان، أنه سواء الحبس الاحتياطي، أو المنع من السفر، يمثل كل منهما قيدًا قاهرًا لحرية “الفرد”، وقد تتبين براءته في نهاية المطاف، فيكون قد عانى الأمرين، وعوقب تقييدًا لحريته، ومصادرةً لحقه في التنقل المكفولين دستوريًا، دون اقتراف ذنب أو جريمة.
بيان تشريعية النواب، قوبل بامتعاض واستياء بالغ من جموع الصحفيين، وأعربوا عن تضامنهم ودعمهم القوي لنقيبهم خالد البلشي؛ بما يوجب على رئيس مجلس النواب تدارك الأمر، وفتح الباب واسعًا لمناقشة مشروع القانون بجدية.
