الصين إمبريالية بقفازات من حرير

شركة BYD الصينية تشارك بسيارتها الكهربائية في معرض ميونخ للسيارات (غيتي)

لستُ مسلحًا بما يكفي من الأرقام لأتحدث كخبير في الاقتصاد العالمي، ولكن بملاحظات بسيطة يمكن أن نوفر أدلة كافية على تقدم الصين في الاستيلاء على اقتصاد العالم بطريقة سلسة، دون أن تدفع جنديًّا واحدًا من جنودها أو أن تطلق رصاصة من بندقية. ملاحظاتنا واستطلاعاتنا من المشاهدات اليومية ومن الأخبار المتداولة في منصات التواصل الاجتماعي المستقلة تكشف أن الصين تستولي بلطف على اقتصاد العالم. وكل مربع تتملكه هو مربع خسره الاقتصاد الغربي الأوروبي والأمريكي بفعل غطرسته الاستعمارية.

سياق الربح والخسارة يبدو غير قابل للنقض أو التراجع، بما يسهل استنتاجًا أوليًّا أن العالم سيصير صيني الهوى والذائقة، خصوصًا أن الغرب (على ضفتي الأطلسي) بوعي أو بدونه يفتح لها الطريق بإصراره على معاملة العالم خارج حدوده كمستعمرات ذليلة مهمتها خدمة رفاهه القديم. لقد فهمت الصين الغرب كأفضل ما يكون، وتعاملت مع شعوب الأرض واضعةً قفازها الحريري، فوجد العالم معها فرصة حياة وكرامة.

ملاحظات قريبة عن الاستيلاء الصامت

سأبدأ من جوار بيتي، في مكان لا يُرى على الخريطة الاقتصادية العالمية. عندما أطل من نافذة سيارتي في الشارع التونسي، وأنظر في ماركات السيارات التي تسير بجواري، أحسب من كل ست سيارات تتحرك أربع سيارات صينية أو آسيوية واثنتين فقط من ماركات أوروبية. وقد كررت هذه الملاحظات مرات كثيرة، بما رسّخ لدي يقينًا أن سوق السيارات في تونس قد تغير لصالح الصين. وما سوق السيارات إلا عينة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

إن السيارة الفرنسية توشك أن تختفي من تونس، أما سيارة «فيات» الإيطالية فقد صارت كائنًا أثريًّا، والسيارة الألمانية ذات الصيت العالي تحتفظ بسمعتها وبسعرها الذي لا يُحتمل، لذلك تقترب من موقع السيارة التحفة التي تُقتنى للزينة والتفاخر.

في ثمانينيات القرن العشرين خاضت حكومة تونس (وكان على رأسها وزير أول لا يميل قلبه كثيرًا إلى فرنسا) معركة شرسة لإدخال السيارة اليابانية (من نوع «تويوتا» و«إيسوزو») إلى السوق التونسية. وبمجرد أن جرب الفلاح التونسي «البيك أب» الياباني أعرض عن مثيله الفرنسي الذي كان يحتكر السوق، وكان ذلك من أسباب إسقاط الوزير وحكومته.

غني عن القول إن كل بيت تونسي مجهز بكل احتياجاته من مصنوعات صينية وآسيوية. والحقيقة أن للمنتج الكوري قسطًا وافرًا من سوق التجهيز المنزلي، فكوريا في المخيلة هي «سامسونج». في البيت التونسي أيضًا اختفت الأجهزة الفرنسية والإيطالية، من المكواة إلى التلفزيون مرورًا بالهاتف المحمول. ولا تسمع إلا قولًا مستحسنًا لهذه المقتنيات، فهي «مرفقة» أي في المتناول مقارنة بنظيراتها الأوروبية، وهي متينة (تعيش طويلًا).

هذا من جهة توجهات الاستهلاك المحلي، لكن نورد ملاحظة مكملة: هذه المقتنيات لم تطرد المنتجات الغربية فقط، بل حجّمت المنتج المحلي وتوشك أن تقضي عليه بجودتها وثمنها وعجز المحلي عن التطور الذاتي. والصين في كل هذا لم تُجبر أحدًا على اقتناء منتجاتها، بل فتحت الباب وتركت للسوق أن يحكم. ولا غرابة أن تجد في تونس تجارًا يعرفون الصين ومصانعها وأسواقها أفضل من معرفتهم ببلدهم.

في السياسة العالمية: الصين لا تحارب

أتابع بروح ساخرة قول كثير من العرب الذين ينتظرون من الصين أن تجيش جيشًا لتحرير فلسطين ونصرة العرب وإيران ومضطهدي العالم ضد الغرب الاستعماري. لقد مررت بقول صيني حفظته: «إذا خرجت إلى الحرب فأنت خاسر». وهذا بقطع النظر عن نتيجة المعركة، فالحرب عندهم خسارة. ماذا لو ربحت من غير حرب ما قد يربحه آخرون بالحرب وخسران الجنود والعتاد؟ حتى لأظن أن سور الصين العظيم قد بُني لا ليحمي الصين من غزو خارجي، بل لكي لا يخرج الصيني إلى الحرب.

أفحشت الولايات المتحدة في الدم الأفغاني وصرفت «دم قلبها» في معركة كبيرة وخسرتها وانسحبت بلا مكاسب. في الفراغ حلت الصين، وعقدت صفقاتها مع الأفغان المنبوذين بتهم الإرهاب، رغم أن الأفغان لم يحاربوا أبدًا خارج أرضهم منذ استقروا عليها. وضعت يدها على مناجم غنية بالمعادن الثقيلة، وأسست أرضية استثمارية لشركاتها في التعدين والصناعات الخفيفة والثقيلة. وجد الأفغان سندًا من الحصار الغربي، ووجدت الصين سوقًا واعدة.

في حرب خاطفة بين باكستان والهند (المنافس الشرس للصين)، ربحت الطائرة الصينية المعركة وسوق السلاح العالمي، وخسرت الطائرة الفرنسية سمعتها في سوق السلاح. انحنت الهند للصين ونُزع فتيل حرب محتملة، ولم يخرج الجيش الصيني من ثكناته.

دمرت فرنسا بلدانًا إفريقية كثيرة وأفرغت بنوكها من النقد ومناجمها من الخامات، واستعبدت شبابها من العمالة الرخيصة إلى لاعبي كرة القدم المبدعين. لكن الأفارقة استفاقوا ودفعوا فرنسا بعيدًا، فحلت الصين في رواندا والسنغال وسيراليون وغينيا، وهي تتوسع في بلدان الساحل والصحراء بلا موانع وبلا جيش احتلال أيضًا. يجد الأفارقة مكاسب من ذلك، فالصيني مفاوض شرس لكنه غير مسلح، يدخل بالشركات لا بالدبابات.

وفي الوقت الذي لا تزال فرنسا تعامل الجزائر كمستعمرة قديمة وتذل عسكرها، تعقد الجزائر صفقاتها مع الصين وتحقق أرقامًا تنموية تهدّئ شارعها وربما تجعل منها نمرًا إفريقيًّا، وهو طموح قمعته فرنسا لمدة قرنين.

دع الغرب يتورط في الحروب

لدينا مقاربتان للهيمنة تتواجهان كل يوم: المقاربة الاستعمارية الغربية التي بدأت من عصر الأنوار ولا تفكر خارج الهيمنة بالسلاح والقتل والتخريب السياسي عبر الانقلابات، وها نحن نراها تواصل عملها بلا كلل في الشرق الأوسط. تقابلها المقاربة الصينية التي تراقب ما يجري في كل مكان ولا تتدخل إلا ببيان إنساني لا يحمله أحد على محمل الجد.

هي مع إيران في الدفاع عن نفسها لكنها لا تسلمها سلاحًا كافيًا للدفاع. هي مع الفلسطيني بالبيانات، لكنها لا تشقى حتى باستعمال الفيتو لصالحه. هي مع روسيا في حربها، لكنها لا تنخرط انخراطًا تامًّا يورطها في حرب.

إن مقاربتها فيما فهمناه، أن خراج كل هذه الحروب يصب في سلتها. كل ورطة حربية للغرب تنتهي ضعفًا وهشاشة اقتصادية لهذه الدول. ربما يقول الاستراتيجي الصيني وهو يتابع أخبار حروب الغرب: دعهم يخسرون، سنحل محلهم حيث خسروا، سنمهد لشركاتنا، ونبيع منتجاتنا، ونكسب من خساراتهم، وفي هذه الأثناء نبني جيشنا في ثكناته ونستعد، وقد لا يجدون في أنفسهم قوة لغزونا.

لا أشك أن الجنرال الصيني المسؤول عن الذخائر يحسب كمية ما دفعت أمريكا في حرب غزة. كل قنبلة أُلقيت هناك تقابلها قنبلة صينية في مخازن الصين. تفوق جاء على طبق. إن لسان حاله يقول: تورطوا أكثر، فنحن ندخر ذخائرنا. لا شك أنهم يحبون رجلًا مثل نتنياهو ويودون أن يواصل حربه. لا يهم كم مات من الفلسطينيين، فهذا ليس شاغلًا صينيًّا. الشاغل الصيني هو: من سيبني غزة بعد الدمار؟ إن شركاتها مستعدة.

هذه مقاربة إمبريالية لا صلة لها بالإنسان. إنها تشبه سلوك الضبع في الغابات حين ينتظر الأسد الصياد ثم يتسول على فريسته. لكن لا نرى فرقًا أخلاقيًّا بين الأسد الصياد والضبع الغادر؛ فكلاهما قاتل، إنما يختلفان في طريقة الصيد. وفي بلد مثل تونس (لا يُرى على خريطة الاقتصاد العالمي) نقول إن المناورة مع الضبع أيسر لمن جرب مخالب الأسد.

دخلت شركة “B.Y.D” السوق التونسية تبيع سيارات جاهزة، ففاوض التونسي على إمكانية التركيب في تونس، فقبلت الشركة الصينية وأنشأت مصنعًا يشغّل عددًا كبيرًا من العاطلين، وفيهم مهندسون أكفاء. في المقابل لم تقبل شركات السيارات الفرنسية بناء ورشة صغيرة لسياراتها في تونس منذ سبعين عامًا، وفرضت شراء الجاهز (مفتاح في اليد)، وظلت تغري المهندس التونسي بالسفر إليها ليعمل هناك مهاجرا ذليلا.

لا نظن أن الصيني يشعر بالعار لو وُصم بالضبع، لكنه يهتم بنتائج صيده، ويرى أن العالم يجد معه مكاسب حُرمها بفعل الغطرسة الغربية التي لا تراجع أسلوبها في التعامل مع المستعمرات المقهورة منذ قرون.

وللقارئ الذي قد يصل إلى آخر المقال فيسألني: متى يتحرر العرب من الغرب ومن الصين؟ أقول: من عجز عن مقاطعة الشركات الغربية التي تسند الكيان في حربه على غزة، يعيش خارج كل وعي بالتاريخ.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان