قصة أحمد الشرع!

كشفت آخر اجتماعات الأمم المتحدة هشاشة النظام العالمي، وأظهرت كيف تسير الدول الحديثة على خيط رفيع بين الفوضى والنظام. أزمة غزة الإنسانية، وتداعيات الصراع الروسي–الأوكراني الجيوسياسية، وغموض مستقبل «الناتو»، وخطابات الرئيس الأمريكي غير المتوقعة، جعلت الاجتماع مشهدا من الفوضى العارمة.
لكن وسط هذه الصورة القاتمة، برز التحوّل اللافت الذي يقوده الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، ليقدّم نموذجا استثنائيا لقوة منطق الدولة، والصبر الاستراتيجي في إعادة تشكيل الدول.
لوحة لأمة
قصة أحمد الشرع ليست مجرّد نجاح فردي، بل هي لوحة لأمة أعادها منطق الدولة إلى مسارها، فمنذ سنوات قليلة فقط، كان صعوده إلى منصة الأمم المتحدة كزعيم دولة أمرا لا يُتصوّر حتى بالنسبة له، فقد عاش في الماضي أسير رؤية لم تستوعب ديناميات العالم الحديث، ولم تدرك أن التنظيمات لا يمكن أن تكون بديلا عن الدولة، ولا أن الحكم لا يقوم إلا على العقل والصبر. واليوم، الرجل الذي رُصدت مكافآت بملايين الدولارات لرأسه، يجلس بين قادة العالم على قدم المساواة. هذه النقلة بحد ذاتها انتصار، وتعبير عن تجاوز الأيديولوجيا الضيقة نحو عقلانية الدولة، بما يفتح لسوريا باب التوافق مع النظام العالمي.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
هذا التحوّل يثبت أن منطق الدولة قادر على إعادة صياغة الأفراد كما المجتمعات، فسوريا تحت قيادة الشرع تشهد إعادة بناء عبر إصلاحات براغماتية وتحالفات استراتيجية. علاقاته المتوازنة مع روسيا وتركيا عزّزت الشرعية الدولية لبلاده، ورغم وجود من يشكك في شرعيته بسبب ماضيه، فإن التجربة تُظهر قدرة منطق الدولة على تجاوز الإرث الأيديولوجي.
الشرع ونظرية ماكس فيبر
قيادة الشرع تستحضر نظرية ماكس فيبر عن الانتقال من السلطة الكاريزمية إلى الحكم البيروقراطي–العقلاني، فالقادة الذين يخرجون من رحم ماضٍ صعب، يمكنهم بعقل وصبر أن يعيدوا صياغة ليس دولهم فقط، بل توازنات إقليمية كاملة.
التاريخ أكّد مرارا أن العاطفة لا مكان لها في السياسة الخارجية، فالبقاء مرهون بالعقلانية والمصالح الاستراتيجية. خذ مثلا التوتر الأخير بين إيران وإسرائيل: الردود الانفعالية من طهران لم تحقق سوى تصعيد التوتر من دون مكاسب ملموسة. كذلك كانت سياسات سوريا الأيديولوجية السابقة سببا لعزلتها وانهيارها، أما اليوم فهي تعود إلى ساحة السياسة الخارجية بقيادة الشرع، برؤية متعقّلة وصابرة.
لا يمكن إنكار حقيقة تفوّق الغرب اقتصاديا وتكنولوجيا ودبلوماسيا، فـتجاهل هذه الحقيقة لا يمنح إلا راحة مؤقتة. التقدّم السوري في التوافق مع النظام الدولي لم يكن ممكنا إلا عبر الاعتراف بهذه المعادلة.
في هذا السياق، شكّل الدعم البنّاء الذي قدّمه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني منعطفا حاسما: زيارته التاريخية لدمشق في يناير 2025، والتزامات قطرية بالاستثمار في قطاعي الطاقة والموانئ، فتحت الباب أمام إعادة إدماج سوريا في العالم العربي، وقدّمت زخما لرفع العقوبات وإطلاق مشاريع التنمية. هذا الدعم مثّل نقطة انعطاف في مسار سوريا الحديث.
ويمكن لمصر، التي انتهجت نموذج «الاستقرار السلطوي والدبلوماسية الإقليمية» للتكامل مع النظام الدولي، أن تكون نموذجا تستلهمه سوريا. نجاح هذا النهج رهن بقدرة الشرع على موازنة علاقاته مع الفاعلين الكبار: روسيا، تركيا وقطر.
استحضار التجارب الكبرى
إعادة إعمار سوريا ليست مجرد مسألة وطنية، بل عامل سيؤثر في توازنات الشرق الأوسط الهشّة، فسوريا بقيادة الشرع، إذا ما حكمها منطق الدولة والصبر الاستراتيجي، يمكن أن تصبح ركيزة للاستقرار الإقليمي والسلام العالمي.
هذا التحوّل يستحضر تجارب كبرى مثل رحلة نيلسون مانديلا من السجن إلى الرئاسة، أو إعادة بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية: قادة وُلدوا من ماضٍ عسير، قادوا دولهم –وبمنطق الدولة– فغيّروا مسار التاريخ.
إن قصة أحمد الشرع توضّح كيف يمكن لمنطق الدولة أن يخلق نظاما من قلب الفوضى، وهي ليست درسا لسوريا وحدها، بل نموذجا ملهما لكل أمة تبحث عن سبيل للتوافق مع النظام العالمي. رؤية الشرع تثبت أن اجتماع العقل والصبر قادر على تحويل المستحيل إلى ممكن، ومن يقود هذا النهج، يقدّم إنجازا يستحق الاحترام.
