لماذا تهدد روسيا باستخدام النووي؟ وكيف ينظر الناتو لهذا التهديد؟

شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا روسيًّا في مجال سباق التسلح، لوحظ أنه جاء متواترًا باتجاه إيصال المقذوفات النووية إلى الأراضي الأوروبية والأمريكية، مع التأكيد أنه لا إمكانية لصدها. لقد أجرت روسيا تجربة لإطلاق صاروخ كروز عابر للقارات “بوريفستنيك” يعمل بالدفع النووي -لأول مرة- وقادر على اختراق كل دفاعات حلف الناتو. وجرى الإعلان عن تجربة ناجحة لطوربيد نووي “بوسيدون” قيل إنه فريد في سرعته ولا يمكن اعتراضه، كما جرى الإعلان عن دخول صاروخ “أوليشنيك” الفرط صوتي متعدد الرؤوس للخدمة في الجيش الروسي قريبًا.
وقبلها كان نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديمتري ميدفيدف قد أشعل غضب الرئيس الأمريكي ترامب بتغريدة تضمنت إشارة إلى “اليد الميتة” أو نظام الرد الأوتوماتيكي النووي لتوجيه الضربة الثانية، وردّ ترامب بالإعلان عن نشر غواصتين نوويتين قرب حدود روسيا. كما ردّ على التجارب الصاروخية الروسية بإصدار أمر لوزارة الحرب الأمريكية ببدء التجارب النووية، وقال وزير الحرب الأمريكي “الرئيس كان واضحًا في حاجتنا إلى رادع نووي ذي مصداقية”.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وقد تزامنت خطوات التصعيد مع الحديث المرتبك عن توريد الولايات المتحدة صواريخ “توماهوك” بعيدة المدى لأوكرانيا، إذ أعلن بوتين أن أوكرانيا ليست لديها طواقم فنية لإطلاق تلك الصواريخ، وأن خبراء غربيين سيتولون تشغيلها، بما يعني تدخلًا غربيًّا مباشرًا قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة. ووصف بوتين الرد الروسي بأنه سيكون حاسمًا وساحقًا.
تلك التطورات جددت النقاش عن احتمالات الوقوع في محظور الحرب النووية.
تهديدات روسية متواترة باستخدام السلاح النووي
كان النقاش والتخوف من الانزلاق نحو حرب نووية قد انطلق مع بدء روسيا هجومها على أوكرانيا.
لقد أصدر الرئيس الروسي أمرًا بوضع القوات النووية الإستراتيجية في حالة تأهب، وقال بوتين وقتها “أيًّا كان من يحاول الوقوف في طريقنا أو تهديد بلدنا وشعبنا، فإنه يجب أن يعلم أن روسيا سترد فورا، وستكون العواقب كما لم تروها في تاريخكم بالكامل”.
وأتبع وزير الخارجية الروسي تهديد بوتين بالتحذير من اندلاع حرب نووية، وقال “الكل يعلم أن حربًا عالمية ثالثة لا يمكن أن تكون إلا نووية”.
ولزيادة مفعول التهديد، قال السكرتير الصحفي للكرملين إن روسيا ستستخدم الأسلحة النووية إذا شعر القادة بأن بلادهم تواجه تهديدًا وجوديًّا. كما قال رئيس وكالة الفضاء الروسية إن بلاده قادرة -في حال نشوب حرب نووية- على “تدمير دول الناتو في غضون نصف ساعة فقط”.
وكان نجم التهديدات الروسية هو ديمتري ميدفيدف، الذي لم يتوقف عن إطلاق التحذيرات، فتحدث عن اليد الميتة، ولعبة الشطرنج مع الموت، ونهاية البشرية. وكان الأخطر أن طرح بوتين سؤال المصير قائلا “لماذا نحتاج إلى هذا العالم إذا لم تكن فيه روسيا؟”.
طرحت هذه المواقف تساؤلات عن أهداف التهديدات الروسية، ولماذا وُجّهت ضد الناتو لا ضد أوكرانيا، وكيف يتعامل قادة الناتو معها؟
ردود حلف الناتو بين الخوف والثقة
يعيد هذا التوتر التذكير بالنقاشات التي جرت مطلع الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والغرب. لقد جرت نقاشات موسعة في الغرب بشأن استخدام هذا السلاح لحسم الصراع مع الاتحاد السوفيتي، وفق ما ذكر المفكر الإستراتيجي الفرنسي أندريه بوفر في كتابه “إستراتيجية العمل غير المباشر”. وقد انتهت تلك النقاشات إلى اعتماد نظرية الردع من جهة، والحرب غير المباشرة لتغيير موازين القوى من خلال التأثير في الأطراف الثالثة من جهة أخرى.
استقرت فكرة أن السلاح النووي هو سلاح ردع لا سلاح قتال، وهو ما مكَّن العالم من تخطي أزمات كانت البشرية خلالها على حافة محرقة نووية، مثل أزمة الصواريخ الكوبية، في حين دارت الحروب في العالم الثالث.
الأمر مختلف الآن، فحلف الناتو هو من يتعرض للتهديد، والحرب مشتعلة على أرض أوروبية، والعالم يشهد تغييرات كبرى في التوازنات الدولية، تهدد استمرار النظام الدولي الذي يسيطر عليه الغرب.
فكيف يتعامل الناتو مع تهديدات روسيا؟
يمكن القول إن الناتو يتعامل مع التهديدات الروسية بثقة بالنفس من جهة، وبالاستعداد لاحتمال تلقي ضربات نووية من جهة أخرى. ويمكن تمييز ثلاثة اتجاهات رئيسة:
1. كشف الأهداف الحقيقية وراء التهديدات الروسية:
تؤكد دوائر الناتو -وفق تحليلات منشورة- أن روسيا تهدد بالنووي للتأثير في دور الحلف لمساندة أوكرانيا، وأن هذه التهديدات نمط محسوب من الحرب النفسية على الشعوب الأوروبية، تستهدف وقف خطة تفكيك روسيا. كما تُطرح تقديرات في مراكز الأبحاث بشأن قدرة الناتو على رصد تحركات الصواريخ النووية الروسية وامتلاكه القدرة على تدميرها قبل إطلاقها، وأن ليس من مصلحة روسيا استخدام السلاح النووي ضد أوكرانيا لأن الغبار النووي سيصل إلى جنودها هناك.
2. بناء الملاجئ وحماية السكان:
نشطت جهود دول الناتو لحماية السكان من القصف النووي، فأعاد كثير منها تجهيز الملاجئ، وأحيا نظم الإنذار من الغارات، ووزع كتيبات على السكان تشرح كيفية التصرف في حال وقوع هجوم نووي.
3. تشكيل مظلات للحماية النووية:
تحركت الدول لتشكيل مظلة ردع نووي، فقد أعرب الرئيس الفرنسي ماكرون عن استعداد بلاده لمد مظلتها النووية لتشمل دول أوروبا. وعقدت فرنسا وبريطانيا اتفاقًا للتنسيق الإستراتيجي في مجال السلاح النووي، كما عقدت ألمانيا وبريطانيا اتفاقًا لمد المظلة النووية إلى الأراضي الألمانية.
تهديدات روسيا.. دفاعية أم هجومية؟
ألمح الرئيس الروسي إلى أن اضطرار بلاده لاستخدام السلاح النووي مرتبط بتفوق الناتو العسكري، مشيرًا إلى أن الحلف يضم 32 دولة. وقد عبَّر لافروف عن المعنى ذاته، حين قال إن الحرب إن وقعت فلن تكون إلا نووية.
فحلف الناتو يتفوق على روسيا في مجال القوات التقليدية وعلى صعيد الإنفاق العسكري الذي يبلغ عشرة أضعاف الإنفاق الروسي. والمعنى أن القرار الروسي مرتبط بنشوب حرب مع الناتو، لا شك أنها ستهدد بقاء الدولة الروسية بحكم موازين القوى، وأن الإستراتيجية النووية الروسية ذات طابع دفاعي، تستهدف منع الناتو من الهجوم عليها.
وتتحرك روسيا في ثلاثة اتجاهات رئيسة:
1. إظهار جدية التهديدات:
إذ إن التهديد إن لم يكن قابلًا للتنفيذ فلا قيمة له. ولهذا أدخلت القيادة الروسية تعديلات عدة على العقيدة النووية في عامي 2020 و2024، خففت بموجبها قيود استخدام السلاح النووي، ووسعت شروط استخدامه لتشمل الرد على هجوم غير نووي، أو على هجوم من دولة غير نووية متحالفة مع أخرى نووية. كما نقلت روسيا أسلحة نووية تكتيكية إلى بيلاروسيا، وأجرى جيشها مناورات نووية مع الجيش البيلاروسي.
2. إجراء تجارب صاروخية والتشديد على عجز الغرب عن صدّها:
أجرت روسيا تجارب على صواريخ فرط صوتية متوسطة وبعيدة المدى تصل إلى أراضي أوروبا والولايات المتحدة، مع التأكيد على عجز وسائل دفاع الناتو عن اعتراضها، مثل صاروخ “سارمات” (الشيطان 2) و”أوليشنيك” و”بوريفستنيك”، لتأثير ذلك في القرار الغربي.
3. زيادة الاستعداد القتالي التقليدي:
تعمل روسيا على تطوير جيشها وأسلحته غير النووية، وتتوسع في اقتصاد الحرب، ويُجري جيشها مناورات متتابعة لإظهار الجاهزية القصوى.
