من “أوفوا بالعهد” إلى أوسلو.. إسرائيل نموذجًا لنقض المواثيق

جندي إسرائيلي يتابع عملية هدم منزل (الفرنسية)

في كل الأنظمة الأخلاقية، من الرسالات السماوية إلى المواثيق الإنسانية، تُمثّل العهود والمواثيق أحد الأسس الجوهرية في بناء الثقة، سواء بين الأفراد أو بين الجماعات والدول.
وليس عبثًا أن يُصدّر القرآن الكريم خطابَه الأخلاقي والدولي بقوله تعالى في سورة الإسراء: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا}.
فهذه الآية لا تحمل توصية فقط، بل تُحمّل العهد طابعًا تشريعيًا ومسؤولية أخلاقية.

ومن الجدير بالذكر أن الله تعالى في القرآن الكريم لم يقصر الوفاء بالعهد على المؤمنين فيما بينهم، بل شمل العهود مع غير المسلمين، طالما التزم الطرف الآخر بها. قال تعالى في سورة التوبة: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}. أي إن الاستقامة في الوفاء بالعهد متبادلة، وقائمة على مبدأ العدالة والاحترام المتبادل.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ومع أن العصر الحديث يتفاخر بمواثيق القانون الدولي، وشرعة الأمم المتحدة، والاتفاقات الإقليمية، فإن الواقع السياسي يقول شيئًا آخر: نقض العهد ما زال قاعدة لا استثناء، والوفاء بالعهد كثيرًا ما يُعدّ ضعفًا لا فضيلة.

وتُعد دولة الاحتلال الإسرائيلي نموذجًا بارزًا يجسّد سلوك نقض العهود في التاريخ المعاصر؛ إذ يشكّل السلوك الإسرائيلي نموذجًا واضحًا لنقض العهود في السياسة الدولية، ويعكس بجلاء التناقض بين المبادئ القانونية الدولية والاعتبارات السياسية الواقعية.

فما الذي يحدث حين تُغيب القيم عن السياسة الدولية؟ وكيف يُسهم تجاهل العهد في إشعال النزاعات وتآكل الثقة؟ وهل من الممكن أن يعود للمنظور القيمي دوره، ولو في الحد الأدنى، في تنظيم العلاقات بين الدول؟

العهد في المنظور القرآني.. ليس خيارًا

في التصور القرآني، العهد ليس تفصيلًا ثانويًا، بل مكوّن من مكونات الإيمان.
قال تعالى في سورة الرعد: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ}.
وهنا يُقاس صدق الإنسان – بل وصدقه الإيماني – بمدى التزامه بالعهد، سواء مع الله أو مع الآخرين.

بل إن نقض العهد، وفق التعبير القرآني، يُشكّل علامة على الانحراف الأخلاقي والجحود، وليس مجرد خلل في السلوك السياسي.
قال الله تعالى في سورة المائدة: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ}.
إنها علاقة متلازمة: نقض الميثاق يؤدي إلى تفكك داخلي، وعداوات خارجية، وتشوّش في النية والمقصد.

الوفاء بالعهد.. قيمة استراتيجية لا عبء سياسي

لو عدنا إلى التاريخ السياسي، لوجدنا أن كثيرًا من الصراعات الدولية الكبرى لم تبدأ بالحرب، بل بدأت بنقض اتفاق أو إخلال بوعد.
فالحرب العالمية الأولى اندلعت بعد خيانة عهود التحالف، والحرب العالمية الثانية تفجّرت نتيجة تراجع قوى أوروبية عن التزاماتها تجاه الأمن الجماعي.

وفي منطقتنا، سنجد أن حروب الشرق الأوسط في القرن العشرين كلها تقريبًا ارتبطت بعدم احترام اتفاقيات ترسيم أو نكث وعود دولية.

ولعل أحد أبرز دروس التاريخ أن نقض العهد ليس فقط عدوانًا على الطرف الآخر، بل هو تقويض للثقة الدولية، وشرعنة لردود فعل أكثر عنفًا.

في التصور المصلحي البحت، كثيرًا ما يُنظر إلى الوفاء بالعهد بوصفه “كلفة” أو “تقييدًا”، خصوصًا إن تبدّلت المعطيات.
لكن في التجربة الإسلامية، الوفاء ليس فقط التزامًا أخلاقيًا، بل هو ضمان للاستقرار والتوازن ومنع الفتن.

لقد أدار النبي ﷺ ملفات التوتر الإقليمي بالعهد أولًا، لا بالسيف. وكان الوفاء أحد أدوات الردع المعنوي، حتى في مواجهة خصوم لا يلتزمون.

من أبرز الأمثلة على الوفاء بالعهد ما فعله النبي ﷺ في صلح الحديبية، حين قبل بشروط ظاهرها مجحف بالمسلمين، لكنه وفّى بها التزامًا بالعهد. وقد أثمر هذا الصلح فتحًا مبينًا، إذ فتح الطريق أمام الدعوة وانتشار الإسلام.

وفي المقابل، يظهر في السيرة النبوية مثال آخر، هو: يهود بني قريظة الذين نقضوا عهدهم مع النبي ﷺ في أحلك الظروف أثناء غزوة الأحزاب، فكان جزاؤهم العادل على خيانتهم. وهذه الحادثة رسخت مبدأ أن نقض العهد يهدد الأمن الجماعي ويستوجب المساءلة.

كما واصل الخلفاء الراشدون هذا النهج، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي قادته بالوفاء بالعهود حتى مع أعداء الأمة، لأن نقضها خيانة تسيء إلى الإسلام قبل أن تضرّ بالعدو.

نقض إسرائيل للعهود نموذجًا معاصرًا

تُعدّ إسرائيل المثال الأبرز على نقض العهود في السياسة المعاصرة، إذ قامت على الغدر والخداع منذ نشأتها. فقد نقضت عشرات الاتفاقيات مع الفلسطينيين والعرب، بدءًا من اتفاقيات الهدنة بعد عام 1948، مرورًا باتفاق أوسلو 1993، وصولًا إلى الاعتداءات المتكررة على الأراضي الفلسطينية رغم المواثيق الدولية، وانتهاءً بالاتفاق الأخير لوقف الحرب في غزة.

ويصدق فيهم قول الله تعالى في سورة البقرة: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.

لقد أصبح نقض العهود سياسة ممنهجة في الفكر الصهيوني، تُبرَّر بمبررات أمنية أو دينية زائفة، لكنها في حقيقتها استمرار لنهج تاريخي في التنكر للمواثيق.
هذا السلوك يقوّض الثقة الدولية، ويكشف عن عجز المنظومة العالمية عن فرض احترام المواثيق، رغم كثرة الهيئات والمنظمات القانونية.

منظومة الأخلاق في السياسة.. هل من إمكانية للعودة؟

المفارقة أن النظام العالمي المعاصر، الذي يرفع راية “الشرعية الدولية”، قد تحوّل أحيانًا إلى أداة لتكريس نقض العهود لا حمايتها: اتفاقيات تُوقّع وتُخترق في اليوم التالي، وقرارات دولية تُداس لأسباب مصلحية، ووعود تُمنح للحلفاء ثم تُسحب دون تفسير.

وقد لا يُقال ذلك بصراحة، لكن الواقع يُظهر أن الهيمنة لا تحترم العهود، بل تُعيد تفسيرها بما يناسب الأقوى. وهنا يبرز مرة أخرى السؤال القرآني الجوهري في قوله تعالى في سورة البقرة: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ}.

لسنا مثاليين في تصور السياسة؛ نعلم أن المصالح وتوازنات القوة وشبكات النفوذ كلها حاضرة في العلاقات الدولية. لكن السؤال ليس في استبعاد هذه العناصر، بل في: هل يمكن أن تتعايش مع منظومة قيم تحكمها؟

هل يمكن لعقد سياسي دولي أن يُبنى على “الوفاء”، لا فقط على “الردع”؟
هل يمكن أن تكون “كلمة رجل دولة” مكافئة لـ”توقيع ملزم”؟
وهل تستطيع الدول الصغيرة أن تُثبت قدرتها عبر التزامها، لا فقط عبر تحالفاتها؟

تلك أسئلة ليست طوباوية بالضرورة، بل تحمل نُضجًا سياسيًا حقيقيًا يُدرك أن القوة قد تصنع الهيبة المؤقتة، لكن الوفاء يصنع الشرعية المستدامة.

الوفاء بالعهد في زمن الصراعات

في عالم مضطرب، مليء بالأزمات والنزاعات، يظن البعض أن الوقت ليس مناسبًا للحديث عن القيم. لكن الحقيقة أن الزمن الصعب هو الوقت الأمثل لاستدعاء القيم، لأنها وحدها ما يُبقي على إمكانية التعافي.

ولعل في استعادة الخطاب القرآني حول الوفاء بالعهد دعوةٌ إلى العالم – شرقًا وغربًا – بأن الاستقرار لا يُبنى على القوة فقط، بل على الثقة، والمواثيق، والكلمة التي يُمكن الركون إليها.

فمن يهن العهد، تهن معه الكلمة، وتسقط المروءة السياسية، وتفقد العلاقات الدولية معناها الإنساني.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان