الزمالك «يترنّح» في خرافة المظلوميّة

كأس السوبر المصري (منصات التواصل)

انتهت مباراة السوبر المصري بين القطبين الكبيرين، الأهلي والزمالك، بما هو مألوف: هزم الفريق الأحمر غريمه الأبيض بهدفين دون ردّ، فانتزع كأس البطولة عقب مواجهةٍ لم تخلُ من الندية، ولو على فترات.
أدّى لاعبو الفريقين مباراة مفتوحة، ولم يركنوا إلى الحذر الدفاعي، هادم لذات الساحرة المستديرة، وتميّزت هجمات الأهلي –رغم كونها أقل كثافة– بالخطورة والفاعلية، مما يوحي بأن المدير الفني الدنماركي توروب ركّز على الجانب الخططي، وتوخّى تحفيظ لاعبيه مجموعة من الجُمل أوصلتهم إلى شباك الغريم التقليدي بأسرع السُّبل.

على الجانب الآخر اتّسم أداء الزمالك بالحماس، فاستبسل لاعبوه دفاعيًّا وهجوميًّا، وتحلّوا بروح قتالية نادرًا ما نراها منهم، الأمر الذي يُحسب للمدير الفني الشاب أحمد عبد الرؤوف، ولعله يستحق منحه الفرصة كاملة مع تخفيف الضغوط الجماهيرية والإعلامية عن كاهله.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

الهدف الأول في مرمى الزمالك صنعه زيزو، نجم الفريق الأبيض السابق الذي انتقل هذا الموسم إلى صفوف الأهلي، وأحرزه بمهارة فائقة –أو قل بلغة المشجعين «حرفنة»– المغربي أشرف بن شرقي، لاعب الزمالك الأسبق أيضًا.
لحظة هزّ الشباك بلغت ذروة الدراماتيكية، إذ استشعر مشجعو الأبيض غصّة في حلوقهم، ونخز الحزن قلوبهم نخزًا، حين رأوا لاعبين سابقين من فريقهم يسهمان في هزيمته من خصمهم اللدود.

بالتوازي، شبت نيران الغضب في معظم المحللين المنتسبين إلى القلعة البيضاء، وتبدّى ذلك جليًّا في البرامج الرياضية المسائية، إذ جافت آراؤهم الفنية أي منطق، إلى درجة أن أحدهم قال: «الحكم والفار والمعلّق من أسباب الخسارة». ولما سُئل عن كيفية تسبب المعلّق في الخسارة، سمعنا منه قولًا عجبًا: «منحاز.. المنظومة كلها منحازة».
وفي سياق التبرير ذاته، ذهب آخرون إلى أن الأهلي يفوز بوسائل ملتوية، منها «سرقته» الأفذاذ الموهوبين من أبناء الزمالك، وضمّهم إلى صفوفه، ولولا هؤلاء لما حاز كأس البطولة.

تفنيد أسطورة «ابن النادي»

من المعلوم بالضرورة أنه لا شيء اسمه «ابن النادي» في عالم الاحتراف، فلاعب كرة القدم يُعدّ اليوم موظفًا بدرجة لاعب، يتقاضى أجره مقابل ذلك، ولا جدال في حقّه في الانتقال إلى مَن يقدّم له عرضًا ماليًّا أكبر.
هذه طبيعة وأصل الأشياء، حتى وإن لم تستسغها الجماهير بوازعٍ من عاطفة التشجيع، وهي عاطفة هوجاء متطرّفة بطبيعتها، لكن ما ليس منطقيًّا على الإطلاق أن يسايرهم الذين يقولون إنهم «خبراء» أو صحفيون رياضيون أو مدربون أو لاعبون دوليون سابقون.

في ماضٍ ليس بعيدًا، انتقل العميد حسام حسن –المدير الفني الحالي لمنتخب مصر، وأهم مهاجم تاريخي للأهلي– إلى صفوف الزمالك، ومعه توأمه الجناح الأيمن البارع إبراهيم حسن.
وقتئذٍ كانت الجماهير الحمراء في المدرجات تصب عليهما الشتائم صبًّا، وهذا وإن كان مُستقبحًا مرفوضًا، فإنه سِمة تكاد تسود الملاعب في كل مكان وزمان.

على النقيض من الجماهير، لم ينبس مسؤولو الأهلي ببنت شفة، بل إن كاتب السطور سأل نائب رئيس النادي الأسبق ورئيسه الحالي محمود الخطيب عن سرّ عدم تجديد التعاقد مع «التوأم»، فقال: «رجاءً.. مش عاوز أتكلم في الموضوع».

حين يردد مسؤول زملكاوي أن انتصارات الأهلي ترجع إلى نجوم الأبيض الذين «سرقهم» عنوة، فإنه في الحقيقة يتوخّى خداع الجمهور وستر سوءات فشله الإداري بورقة توت.
أبسط رد على ذاك الهرف أن هؤلاء اللاعبين أنفسهم لم يحرزوا للزمالك من البطولات إلا أقل القليل حين كانوا في صفوفه، وعليه فليس من المبالغة القول إن ارتقاء الفريق الأبيض منصات التتويج في وجودهم كان استثناءً يثبت القاعدة.. والقاعدة أن التفوق لمن يأخذ بأسبابه.

خرافة الاضطهاد وحديث المظلومية

بعيدًا عن خرافة الفوز بأقدام لاعبي الزمالك، جعل كثيرون من الرموز المحسوبين على الزمالك يتشدّقون بحديث المظلومية والاضطهاد، وتحالف عفاريت الجنّ وشياطين الإنس ضد النادي، إلى آخر مفردات هذا الخطاب الضبابي المشوّش.
حين يجنح الخاسر إلى التبرير بعد التبرير، متشدقًا بأنه أدّى ما عليه، غير أن «أهل الشر» والقوى المتآمرة حالت دون حصوله على حقّه، فمن المستحيل أن يحرز أي فوز في المستقبل.
هذا جوهر أزمة، بل مأساة الزمالك خلال العقدين الماضيين على وجه الخصوص.

والمثير أن خطاب مسؤولي وإعلام القلعة البيضاء –إن مددنا الخط على استقامته– يبدو آفة عربية مستوطنة منذ أمد بعيد، وهو خطاب يتزامن دائمًا مع مراحل الانهيار، ويشمل جميع المجالات؛ السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية، إلى آخره.

خذ مثلًا العويل والنحيب العربي إزاء سطوة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية، وسيطرته على مفاصل صناعة القرار بالكونغرس والبنتاغون والبيت الأبيض، وهيمنته على المؤسسات الإعلامية والاقتصادية الكبرى.
للعرب استثمارات تقدَّر بمليارات –إن لم تكن تريليونات– الدولارات في الولايات المتحدة، لكنها محض هباء لا يؤسّس لوبيًّا عربيًّا، ولا يُجدي نفعًا في دعم القضايا العربية العادلة في أروقة مراكز صناعة السياسات الاستراتيجية الأمريكية.

يولول العرب ويلطمون الخدود ويشقّون الجيوب، غارقين حتى آذانهم في تقبيح ولعن «المؤامرة السوداء» على الأمة، وبذلك يقنعون فيكتفون فيستنكفون عن أداء الفرائض اللازمة، ويولّون الأدبار عن واجب اللحظة.

كذلك، على الصعيد المصري المحلي، تُستنسخ الصورة ذاتها حين يُفسّر مسؤول ما الأزمات الاقتصادية التي يصطلي الناس نيرانها بالزيادة السكانية، متنصلًا من الاعتراف بفشل سياساته، متجاهلًا أن الثروة البشرية ليست عائقًا متى وُجدت إدارة رشيدة تُحسن استثمارها.

كذلك يفعل مسؤولو الزمالك؛ يُعلّقون الفشل الإداري والاقتصادي والفني الذريع على أي مشجب، فليكن التآمر على القلعة البيضاء، أو وقوف الدولة بجانب الأهلي، أو انحياز الاتحاد الإفريقي، أو فساد التحكيم، أو أي ذريعة متهافتة.

الإدارة كلمة السر

حين يستمرئ الفاشل مذاق التبرير، فإنه يوطن نفسه على قبول المزيد من الفشل، ومتى يجد مَن يصدّق أكاذيبه، فإنه لن يراجع أخطاءه أبدًا، كشأن التلميذ الراسب حين يقول: «إن الامتحان جاء صعبًا»، فيجد من أبويه التأييد الذي يفضي حتمًا إلى إفساده.

المسألة تكمن في حسن إدارة الموارد، وليس سرًّا أن الأهلي ليس في أفضل حالاته الفنية، لكن المنظومة الإدارية التي لا تتراخى عن مواجهة السلبيات، فترأب الصدوع أولًا بأول، تنجح دائمًا في انتزاع الألقاب وصناعة التاريخ الذي لا يعترف إلا بالمنتصرين، ولا يأبه بالواقفين على هامش المتون وهم يصرخون: إنها مؤامرة.

أمرٌ محزن وبائس أن يتدحرج الزمالك بكل عراقته التاريخية، وبما يمثله من مكانة معنوية، وما له من جماهيرية تتجاوز مصر إلى كل شبر في الوطن العربي، وما يمثله بناءً على ذلك من قوة مصرية ناعمة، إلى هذه الهاوية السحيقة.

الزمالك «يترنّح»، وسقوطه أصبح قاب قوسين أو أدنى، وما من سبيل لانتشاله من عثراته بغير اعتراف مسؤوليه بأن المرض داخلي، ثم اتباع بروتوكول علاجي علمي وموضوعي لا يبرر التهافت بالخرافات، ولا يستغرق في «اللطميات».

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان