رحل زغلول النجار.. جسر التواصل بين الجيولوجيا والسماء

الدكتور زغلول النجار
الدكتور زغلول النجار (منصات التواصل)

في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 2025 خفت صوت كان يملأ الشاشات والندوات بخطاب جديد ينتمي لحقل الدعوة حينًا، ولحقل العلم أحيانًا، خطاب ينتمي لأكثر من حقل معرفي طالما نادى به العقلاء في محافل تجديد الخطاب الدعوي ومخاطبة الناس على قدر عقولهم وعصورهم.
فعلها الرجل على مدار سنوات بسلاسة دون ضجة إعلامية حول خطابه الموجَّه لجموع الشباب على مستوى العالم، مسلمين وغير مسلمين، ليستطيع على مدار أربع حقب أن يلفت انتباه الكثيرين على كافة المستويات الاجتماعية والعلمية إلى كتاب المسلمين.
رحل الدكتور زغلول النجار، الذي لم يتوقف عند كونه عالمًا جيولوجيًّا، بل كان جسرًا ممتدًّا بين العلم والدعوة، بين مناجم الأرض وآفاق السماء، بين عقل يبحث وقلب يؤمن.

ولد الدكتور زغلول النجار بمحافظة الغربية عام 1933، وتخرج في كلية العلوم بجامعة القاهرة عام 1955، ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة ويلز البريطانية، ليبدأ رحلة علمية نادرة في جامعات بريطانيا والسعودية وقطر، ويرحل عن عالمنا في هدوء تاركًا خلفه تراثًا يمكن أن يعكف عليه عشرات العلماء في تخصصات مختلفة.

فكر الدكتور النجار منهج دعوي جديد

عكف الدكتور زغلول النجار على مدى عشرات السنين ليعرض التطابق بين النصوص القرآنية والاكتشافات العلمية المتوالية، وفي الوقت الذي يرى فيه علماء الدين الرسميون أن القرآن كتاب هداية للبشر، كان هو يرى أنه مصدر للمعرفة بقدر ما به من تشريعات.
ومن خلال كتبه ومحاضراته مثل: «من آيات الإعجاز في الكون»، و«حقائق علمية في القرآن الكريم»، و«العلم والإيمان»، استطاع أن يقنع عشرات الملايين بفكرته، ويفتح المجال لعشرات من الباحثين في نفس الاتجاه، ليكسب أرضًا جديدة وجمهورًا جديدًا تجاوز خطاب الوعظ والإرشاد والتخويف.
لم يكن بخطابه هذا يريد تحويل القرآن إلى كتاب فيزياء، بل كما قال في إحدى محاضراته: «القرآن لا يقدم معادلات، لكنه يوجِّه العقل إلى النظام الكوني، إلى الدقة، إلى وحدة الخالق وراء هذا الاتساق البديع».

ثورة هادئة في الخطاب الدعوي

بدأ الدكتور النجار محاضراته في الإعجاز العلمي في فترة السبعينيات، حين كان الخطاب الديني يعاني ازدواجية استمرت سنوات، فكان الخطاب إما وعظيًّا تقليديًّا يخاطب الوجدان دون العقل، أو خطابًا علمانيًّا وصل به الحال إلى إنكار الوحي والنصوص الثابتة.
لكن الدكتور النجار أتى بطريق ثالث وخطاب جديد، ليكون دعوة علمية بلسان العصر، ويغير بذلك ملامح لغة الدعاة، فصارت الخطبة تستشهد بالمجهر والمختبر.
كان يقول لطلابه: «إذا تحدثت إلى شباب الجامعة عن الصلاة، فابدأ أولًا بعظمة الجاذبية التي تبقيك قائمًا، ثم أخبره أن السجود يحررك من أثقالها».

العالم المتهم بالمبالغة

لم يسلم الدكتور زغلول النجار من نقد المتربصين بكل فكرة جديدة حتى ولو التزمت بدائرة النصوص الشرعية، فقد اتهمه البعض بأنه يحمّل النصوص ما لا تحتمل، أو يربطها باكتشافات قد تتغير مع الزمن، وأنه يتعامل مع النظريات المتغيرة كحقائق علمية منتهية.
لكنه في الحقيقة لم يتهرب من النقاش والمواجهة وتقديم البراهين العلمية.
فعلى سبيل المثال، في مقابلة له على قناة الجزيرة عام 2018، قال ردًّا على أحد المنتقدين: «أنا لا أقول إن العلم يثبت القرآن، بل أقول إن القرآن يسبق العلم»، وأوضح أن ما يقدمه ليس تفسيرًا نهائيًّا، بل قراءة معاصرة للنص في ضوء ما وصل إليه الإنسان.
كان يدرك أن العلم متطور، وأن الوحي ثابت، وأن العلاقة بينهما إضاءة متبادلة لا تطابق حرفي.
لقد ظل الرجل هادئًا في وجه العاصفة، مؤمنًا بأن الخلاف لا يطفئ الفكرة بل ينضجها، وحين اشتد الجدل حوله في أحد المؤتمرات، ابتسم قائلًا: «يكفيني أن يوقن شاب واحد بأن القرآن لا يصطدم بالعقل، فهذا عندي أعظم من كل الجوائز».

منهجه المتوازن بين الفكر والإيمان

واجه الفكر الإسلامي خطرًا عظيمًا حين انقسم بين من يرفع شعار «الإيمان وحده يكفي»، وبين من يرى أن «العلم وحده هو الطريق».
أما الدكتور النجار فكان من القلائل الذين حاولوا التوفيق بين الاثنين بصدق فكري لا بشعار خطابي.
ففي إحدى محاضراته قال: «لو كان القرآن كتاب دين فقط، لما أمرنا بالنظر في الكون، ولو كان العلم يغني عن الإيمان، لما سأل العلماء أنفسهم: من أين جئنا؟ وإلى أين نمضي؟».
بهذه العبارة لخص فلسفته؛ فهو لا يرى الإعجاز العلمي مجرد وسيلة للدفاع عن الدين أمام الغرب، بل يراه أفقًا لفهم العلاقة بين الله والإنسان والعالم.

إرث لا يوقفه الخلاف

قد يختلف الكثيرون حول ضرورة تغيير الخطاب الدعوي أو تثبيته، وحول منبع الخلل الحادث في الهوية التاريخية للأمة وسبب ضعفها وتشتتها، لكنهم لا يختلفون في أن الدكتور زغلول النجار قام بنقل الخطاب الدعوي نقلة نوعية مؤثرة ومحورية لتشمل فئات جديدة لم تكن تستمع من قبل.
لقد جعل الحديث عن العلم في المنابر أمرًا مألوفًا بعدما كان مستنكرًا لدى بعض الدعاة، وجعل الباحث المسلم يشعر بأن دينه لا يقف ضد البحث، بل يباركه.
رحل الرجل وقد ترك وراءه مكتبة من الكتب والمحاضرات، وجيلًا من الشباب الذين تعلموا أن الإيمان لا يعارض التجريب، وأن النص لا يخاف من المختبر.

المعنى الذي لا يموت

ويبقى أن نعلم أن رثاء الدكتور زغلول النجار ليس بكاءً على شخص، بقدر ما هو استعادة لرسالة حية.
لقد علمنا الرجل أن الدين والعلم ليسا طريقين متوازيين لا يلتقيان، بل هما نهر واحد يجري في مجريين مختلفين، كلاهما يبحث عن الحقيقة.
رحل الدكتور النجار، لكن أثره سيظل باقيًا في لغة جديدة للخطاب الإسلامي استطاعت بجدارة أن تجد لها مكانًا وتفرضه على العقلاء من كل دين.
لغة متأملة لا تنكر العاطفة، لكنها تضعها في موضعها الصحيح.
علّمنا أن المؤمن لا يخشى السؤال، وأن العالم لا يتكبر على الإيمان، وأن القرآن لا يخشى المختبر بل يدعو إليه.
رحم الله الدكتور زغلول النجار، وألهم ذويه وطلابه الصبر والسلوان واستكمال الطريق من بعده.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان