فرانكشتين: بين غرور الخلق ومرارة الندم

(1) من الرخام الخام إلى لوحة بتوقيع غييرمو ديل تورو
استلهمت السينما العالمية رواية ماري شيلي الخالدة «فرانكشتين؛ أو بروميثيوس الحديث» (1818) ما يزيد على 45 مرة، لكن معظم هذه المحاولات افتقرت إلى القدرة على إعادة تركيب النص الأدبي وطرح رؤية جديدة كليًّا، إلى أن جاء المخرج المكسيكي الموهوب والمميز غييرمو ديل تورو، ليحول الرواية إلى لوحة سينمائية تحمل توقيعه بامتياز هذا العام. لم يقدم ديل تورو مجرد اقتباس، بل تفوق في بعض الجوانب على الرواية الأصلية من خلال تعميق الطرح الفلسفي، مع التزامه الكامل بجوهر العمل الأصلي المتمثل في استكشاف العلاقة المعقدة بين الخالق والمخلوق.
تبدأ الرواية باقتباس من ملحمة جون ميلتون «الفردوس المفقود»، حيث يخاطب آدم ربَّه قائلًا: «هل طلبتُ منك، يا صانعي من الطين، أن تشكّلني إنسانًا؟ هل توسلتُ إليك أن تخرجني من الظلام إلى النور؟».
هذا الاستهلال يضعنا في قلب الإشكالية الأخلاقية للرواية والفيلم: مسؤولية الخالق عن مخلوقه، وحدود إرادة الأخير.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 2 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 3 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 4 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
تعامل ديل تورو مع نص شيلي بوصفه كتلة من “الرخام النادر الخام”، فنحت منها شخصياته ببراعة، محولًا إياها إلى أرواح حبيسة في أجساد من لحم ودم. نكتشف بمتابعتها أن القبح والجمال ليسا سوى انعكاس لرؤية الناظر. فأنت من تحتقر المسخ فترى فيه الآثم، أو تحنو عليه فتجده البريء. هذه الفلسفة نفسها التي طَرَحها المخرج في فيلمه الحائز على جائزة الأوسكار “The Shape of Water”، حيث يُرى الكائن المائي الأسطوري من قبل السلطات كمسخ يجب تقييده، بينما تراه الشخصيات المهمشة ذات القلوب الرحيمة كائنًا يستحق الحب والعطف والخلاص.
وكذلك الحال مع مسخ فرانكشتين؛ فهو لم يصنع نفسه قبيحًا من أشلاء الجثث، بل إن فيكتور فرانكشتين هو من فعل ذلك. لقد أراد أن يحاكي الآلهة، ثم تبرأ من صنعه وهجر صنيعته وحيدًا ليعاني الوحشة والرفض والعزلة، مما غذّى فيه مشاعر الغضب والألم.
(2) ثمن المعرفة: حين يندم بروميثيوس
ينقلنا فيلم فرانكشتين، الذي يتقصى جوهر الحياة وقوانين الوجود، إلى فكرة الندم الذي يلاحق صانع المعرفة عندما يغلبه غروره، وتقوده رغبته الملحّة في اختراق المستحيل. يتحول حلم العبقرية والاكتشاف إلى كابوس من الخوف والبؤس، لا يطال العالم وحده بل يمتد إلى أحبائه أيضًا. هذه الحلقة المفرغة من الخلق ثم الندم ليست حكرًا على فيكتور فرانكشتين الأدبي، بل هي سلوك رأيناه يتجسد في الواقع مع عدد من كبار العلماء والمخترعين.
ألفريد نوبل: مخترع الديناميت الذي أراد به خدمة أعمال البناء والتعدين، لم يحسب حسابًا أن اختراعه سيتحول إلى أداة فتاكة في الحروب. ندم نوبل على ذلك لدرجة أنه خصص جزءًا من ثروته لإنشاء جائزة نوبل للسلام تكفيرًا عن ذنبه.
هيربرت بوير وستانلي كوهين: رائدا الهندسة الوراثية وأول من نجح في نقل الجينات بين الكائنات عام 1973، عبّرا لاحقًا عن مخاوفهما العميقة من إساءة استخدام هذه التقنية في صنع فيروسات أو كائنات معدلة خطيرة، وهو ما تُوّج بظهور كائنات معدلة وراثيًّا وجائحة كورونا التي لا تزال آثارها ماثلة للعيان.
تيم بيرنرز لي: مخترع شبكة الويب العالمية (1989)، الذي عبّر عن حزنه العميق لأن اختراعه الذي كان يقصد به تحقيق فضاء للتعاون والمعرفة، تحول إلى منصة لنشر الكراهية والمعلومات المضللة وانتهاك الخصوصية.
هنا تبرز الإشكالية الكبرى: العلم أداة محايدة، يمكن أن تُستخدم للبناء أو الهدم. والمشكلة أن العلماء أنفسهم لا يتحكمون في مصير اختراعاتهم بعد أن تخرج إلى النور. يسلط فيلم ديل تورو الضوء على هذه النقطة بذكاء من خلال شخصية مبتكرة لم تكن موجودة في الرواية الأصلية، وهي هنريك هارلاندر. هذا الرجل الثري الذي جمع ثروته من تجارة السلاح، يعرض على فيكتور فرانكشتين تمويل أبحاثه بشرط: نقل روحه إلى الجسد المجمع ليتخلص من مرض الزهري الذي ينخر جسده. هذه الشخصية تجسد الرأسمالية المتوحشة التي تستثمر في المعرفة لتحقيق مآربها، حيث لم تعد الحكومات هي الراعي الرئيسي للبحث العلمي، بل حلت محلها شركات ضخمة تفوق ميزانياتها ميزانيات دول، تُموّل الأبحاث ثم تُطوعها لخدمة مصالحها الربحية.
(3) المسخ الذي لا يموت: من أشلاء الجثث إلى أشباح السياسة
في النهاية، يخرج فيلم فرانكشتين من دائرة الرواية الفردية إلى تعميم رمزي قوي. لدى كل منا “مسخ” نصنعه بأيدينا؛ ننفخ فيه من مخاوفنا وأحكامنا المسبقة ليصبح عدوًّا نخافه ونحاربه. نحن لا ننتبه إلى أن هذا المسخ هو من صنع خيالنا وليس له وجود حقيقي مستقل. انظر إلى العالم من حولك لتدرك حقيقة الأمر: صنع الاتحاد الأوروبي من روسيا مسخًا يروّج لبشاعته، وفعلت روسيا بالمثل. صنعت أمريكا من فنزويلا مسخًا لاختلافها السياسي معها، وهي تسعى الآن لـ”قتله” بعقوباتها.
“الإسلاموفوبيا” المسخ الجديد الذي صنعه الغرب ليملأ الفراغ الذي تركه سقوط الاتحاد السوفيتي، كعدو ضروري لتوحيد الصفوف الداخلية.
هكذا، يصبح مسخ فرانكشتين مجرد استعارة لأي “آخر” نرفضه، ننبذه، ونحمله مسؤولية مشاكلنا. المسخ الحقيقي ليس ذلك الكائن المشوه، بل الخوف والجهل والأنانية التي تدفعنا إلى خلق أعداء وهميين بدلًا من مواجهة ذواتنا المعقدة والقبيحة أحيانًا.
تظل أسطورة فرانكشتين، كما أبدعتها ماري شيلي وأعاد صياغتها غييرمو ديل تورو، مرآة مظلمة لكنها صادقة لتطلعات الإنسان المأساوية. إنها ليست مجرد حكاية عن وحش مصنوع من أشلاء، بل عن الغرور الذي يطمس الإنسانية. في فيكتور فرانكشتين نرى “بروميثيوس العصر الحديث” الذي سرق نار المعرفة من آلهة الأوليمب، لكنه افتقر إلى الحكمة لتحمل تبعات سرقته، فاحترق هو وجميع من حوله بتلك النار.
الفيلم يذكرنا بأن الندم، رغم مرارته، يأتي متأخرًا دومًا، والمسخ، سواء كان كائنًا من لحم ودم، أو اختراعًا مدمّرًا، أو صورة نمطية عن الآخر، هو ابن شرعي لأخطائنا. وكما قال الفيلسوف جان بول سارتر: “الجحيم هم الآخرون”، لكن قد نكون نحن، بتحيزاتنا وخوفنا، من نصنع ذلك الجحيم للآخرين. خلاصة القصة تكمن في ضرورة أن نتحمل مسؤولية ما ساهمنا في صنعه، وإلا فإننا جميعًا سنواجه مصير فيكتور فرانكشتين: الهروب من الوحش الذي خلقناه لنكتشف أنه انعكاس لظلنا الذي لا يفارقنا.
