من هولاكو إلى تل أبيب: إعادة إنتاج التوحش
حين يتحول التعذيب إلى عقيدة

تقف اليوم إسرائيل عارية، مُتجردة من التحضر، والأكذوبة المتداولة بأنها «واحة الديمقراطية» في الشرق الأوسط، مع انهيار القيم الأخلاقية المزعومة التي روجتها لنفسها أمام العالم. سقطت الأقنعة المزيفة، التي يتستر خلفها السلوك الإسرائيلي الهمجي المتوحش، الذي يتعامى عنه الإعلام الغربي تماهيا ونفاقا وخصاما للمهنية، ليظهر الوجه الحقيقي الفاشي والنازي للكيان الصهيوني. فالأيام القليلة الماضية شهدت انكشافا لجرائم إذلال واغتصاب واعتداءات جنسية بأدوات وكلاب مُدرَّبة، وتعذيب نفسي وجسدي ومعنوي، وإهانات للأسرى الفلسطينيين (رجالا ونساء وأطفالا) بأيدي جنود الاحتلال. كأن حفيد جنكيز خان، الحاكم والقائد المغولي الشهير هولاكو (1217–1265م)، قد بُعث من جديد. فهولاكو قام بغزو بغداد ومناطق واسعة من العالم الإسلامي مثل إيران وتركيا وغيرهما، وكان أينما حلَّ بجيوشه، يمارس التوحش والهمجية والعنف، وينشر الدمار والخراب للعمران، ويُمعن في جرائم القتل والتجويع والإبادة للبشر (جنودا ومدنيين عُزلا)، كما لم يتورع عن تعذيب وقتل الأسرى، واستغلال النساء الناجيات جنسيا للجنود.
كلب مُدرَّب للاغتصاب المتكرر..
وصعق كهربائي
وها هو «الكيان الصهيوني» يتمثل نهج القائد المغولي وجيوشه، ويعيد إنتاج فظائعه التي دونها التاريخ عارا لصيقا بهولاكو. فقد صدَّق الكنيست الإسرائيلي بالأغلبية، في قراءة أولى، على مشروع قانون لتشريع عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين، بما يفتح الباب -في حالة إقرار القانون في القراءتين الثانية والثالثة- لتنفيذ عمليات إعدام جماعي للأسرى في السجون بعد إسناد تهمة الإرهاب لهم. فيما وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في تقرير أصدره الاثنين الماضي، الكثير من الانتهاكات البشعة لكرامة المعتقلين الفلسطينيين، لافتا إلى أنها ليست حالات فردية، بل سياسة منهجية تجري ممارستها بحق آلاف المعتقلين في سجون ومعسكرات إسرائيلية مغلقة أمام الرقابة الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
يكشف «التقرير» عن ممارسات ممنهجة للتعذيب الجنسي، سحقا للكرامة، ومحوا لإنسانية الفرد وهويته، بالإذلال والاغتصاب والتعرية والتصوير الإجباري والاعتداء بالأدوات والكلاب. ومن أخطر الشهادات الواردة، لسيدة فلسطينية (42 عاما) تم اعتقالها من غزة، أفادت بتعرضها للاعتداء الجنسي المتكرر لأيام عدة، والإهانة اللفظية، والتعرية القسرية لفترات طويلة، والتوثيق بالتصوير، والضرب والصعق الكهربائي. وأخبر أسير آخر (35 عاما)، اعتُقل من مستشفى الشفاء بغزة، عن أنماط من التعذيب البشع بحقه أثناء وجوده في سجن «سدي تيمان» الإسرائيلي، ومنها الاعتداء الجنسي باستخدام كلب مُدرَّب. وروى أسير شاب ثالث أنه و12 آخرين مورست ضدهم انتهاكات جسدية واعتداءات جنسية متكررة بإدخال زجاجة واغتصابهم بوساطة كلب.
إهانات جنسية على نطاق واسع..
وتجويع وتعذيب وقسوة
كما فضحت تقارير عديدة لهيئات أممية ومنظمات غير حكومية دولية وإسرائيلية وفلسطينية شيوع التعذيب للمعتقلين الفلسطينيين على نطاق واسع. واستنادا إلى هذه التقارير، خضعت إسرائيل -قبل يومين- للاستجواب أمام لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، المكونة من عشرة خبراء مستقلين. وأعرب مُقرِّر اللجنة، بيتر فيديل كيسينغ، عن شعور اللجنة بالهلع الشديد بشأن ما ورد بهذه التقارير، وقال إن العديد من المعتقلين الذين أُطلق سراحهم لاحقا تعرضوا للتعذيب وضروب شتى من القسوة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
- list 2 of 4العمرة.. دليلك العملي لتقليل الجهد وزيادة الثواب
- list 3 of 4هيكل.. 50 عاما من العواصف
- list 4 of 4الرومانسية تعيد العائلة التركية إلى الدراما
وأشار إلى الضرب المبرح -بما في ذلك على الأعضاء التناسلية- والتجويع والتعذيب بالماء والإهانات الجنسية على نطاق واسع، وتهديدات بالاغتصاب. وأوضح كيسينغ تصاعد التعذيب وسوء المعاملة إلى مستويات غير مسبوقة منذ أكتوبر/ تشرين الأول (طوفان الأقصى). فيما رفض السفير الإسرائيلي في جنيف هذه التقارير، زاعما أنها معلومات مضلِّلة.
الفلسطينيون.. وعقيدة الخطر الوجودي
لماذا هذه السادية والتوحش من الجنود الإسرائيليين، تعذيبا واغتصابا وتلذذا بالإهانات الجنسية والإيذاء الجسدي والمعنوي للأسرى الفلسطينيين؟ تتفق التقارير الأممية والحقوقية والإعلامية على أن ممارسات التعذيب والإذلال ليست حالات فردية، بل نهج عام محكوم بعقيدة وهوس أمني. فالمجتمع الإسرائيلي يعيش في حالة عسكرة دائمة، وتنشئة تربوية ترسخ قيم العنف والكراهية للعرب، وكسر الإرادة للفلسطينيين ومحوهم من الوجود باعتبارهم حيوانات بشرية أو ثعابين سامة يجب التخلص منها. لذا فلا غضاضة في ممارسة صنوف التعذيب وقتلهم كلما كان هذا ممكنا.
الجندي الإسرائيلي ينشأ منذ الصغر في المنزل مع أسرته وفي المدرسة مسكونا بالتعصب والشعور بالتفوق والاستعلاء والعنصرية، ويتم إكسابه عقيدة دينية وفكرة صهيونية ملخصها أنهم “شعب الله المختار”، وأن «العرب» -بالعموم- إرهابيون وهمج كونهم «أغيارً». بما يغرس في نفس الإسرائيلي مبكرا الخوف والرعب من الفلسطينيين، وأنهم خطر وجودي على إسرائيل يتعين دينيًا قتلهم. وفي ظل هذه المفاهيم يكون طبيعيا تدريب الأطفال في المستوطنات على استخدام الأسلحة النارية. وهذا يفسر عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، بلطجة وحرقا للممتلكات وإهانة وضربا دون مساءلة للجناة.
“فيديو” تعذيب الأسير..
وقضية المدعية العسكرية الإسرائيلية
من زاوية أخرى، فالإسرائيليون لا يأبهون بالقانون الدولي أو المنظمات الأممية. وهم -مدفوعين بالكراهية والعدوانية- يعذبون الأسرى لانتزاع الاعترافات والمعلومات منهم، إعمالا لقاعدة قديمة: «المتهم لا بد أن يتألم حتى يتكلم»، وهم يهدفون إلى تحطيم معنويات الفلسطينيين وإذلالهم لكسر إرادتهم وإفقادهم كرامتهم، كي يتقبلوا ممارسات الاحتلال القمعية البشعة والمنظمة ويتعايشوا معها. كما أن هذا النهج لا يخلو من فكرة الانتقام لطوفان الأقصى (7/10/2023)، الذي مثّل قمة الإهانة والتحدي للغطرسة الإسرائيلية.
هذا العنف الممنهج ضد الأسرى يُعد من جرائم الحرب ويتنافى مع اتفاقية جنيف لمناهضة التعذيب السارية منذ عام 1987، وهذه الجرائم ليست مُستنكرة أو مُستهجنة سواء من الحكومة أو المجتمع الإسرائيلي، والجنود مرتكبو هذا التوحش يفلتون من العقاب. وآية ذلك أن المدعية العسكرية الإسرائيلية يفعات تومر يروشالمي قيد الاعتقال والمحاكمة متهمة بخيانة الأمانة لقيامها بتسريب “فيديو” لجنود يعذبون أسيرا ويغتصبونه في سجن «سدي تيمان» سيئ السمعة، بينما الواجب قانونيا وأخلاقيا هو تكريمها لشجاعتها ومحاكمة الجنود المرتكبين للجريمة.
قضية الأسرى في سجون الاحتلال كاشفة عن إنكار الاحتلال لكرامة الإنسان وحقوق الأسير، فالقيم الأخلاقية الضابطة لسلوك الكيان وجيش الاحتلال غائبة تماما.
