الفاشر.. حين تتقاطع الجغرافيا بالنبوءة والتاريخ

احتجاج الجالية السودانية في اليونان على جرائم مليشيات الدعم السريع في الفاشر (رويترز)

 

في قلب غرب السودان، حيث الرمال تمتد كأنها سجادة الزمن، تتألم مدينة الفاشر اليوم وجع أمةٍ بأكملها، بعد أن سقطت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، فيما تتفرج عليها القوى الكبرى وكأنها تتابع مشهدًا تجريبيًا لصياغة خريطة جديدة للمنطقة. ما جري في الفاشر ليس مجرد معركة محلية بين جيشٍ ودعمٍ سريع، بل هو مشهد من مشاهد التاريخ حين يعيد نفسه، حين تتكاثر الأيدي الخفية في جسدٍ أنهكه الاستعمار والتبعية، وتغدو الجغرافيا ساحة تصفية حسابات بين أطرافٍ لا ترى في السودان إلا معبرًا ومخزونًا وورقة ضغط.

بين الفاشر وغزة.. الوجع الواحد

قد تبدو المسافة بين غزة والفاشر بعيدة على الخريطة، لكنها في ميزان الوجدان والتاريخ قريبة جدًا. في كلتا البقعتين، تُحاصر مدنٌ عربية وإسلامية ويُترك أهلها فريسة للخذلان، بين نار الداخل ومكر الخارج. في غزة، تُدك البيوت على ساكنيها باسم “الأمن”، وفي الفاشر تُحرق الأحياء باسم “السيطرة”، وفي كليهما تتواطأ قوى العالم لتدير الصراع من وراء الستار، تحفظ موازين القوى كي لا ينتصر أحد، ولا تنهزم هي.

غير أن الرابط الأعمق بين غزة والفاشر هو منطق التاريخ وسنن الابتلاء. كلاهما يعيش لحظة “التمحيص” التي تسبق ولادة الوعي الجديد، تلك اللحظة التي وصفها القرآن الكريم في سورة البقرة: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين}.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ليست هذه الآية تعزيةً بل قانونًا، فالأمم التي تمر بهذه الأوجاع تعاد صياغتها من جديد، ويُكشف معدنها في لحظات الفتنة.

السودان.. من حلم الوحدة إلى شبح التفكك

عند استقلال السودان عام 1956، كان كثيرون يظنون أن هذا البلد سيكون نموذجًا للوحدة بين العرب والأفارقة، بين الإسلام والعروبة والهوية الإفريقية الأصيلة. لكنّ هذا الأمل سرعان ما انكسر تحت ثقل الانقلابات، والانقسامات، والخيبات.
في نصف قرنٍ فقط، تبدلت الأعلام والجيوش والحكومات، حتى أصبح السودان ساحة دائمة لاختبار مشاريع الخارج.
من انفصال الجنوب إلى حرائق دارفور، ومن النزاعات القبلية إلى سباق الذهب والنفط، كان هناك دومًا “فاعل خارجي” يحرّك الخيوط من بعيد، يمد هذا بالسلاح وذاك بالدعم اللوجستي، ويكتب على الخرائط مستقبلًا لا يريده السودانيون.

اليوم، حين سقطت الفاشر، تعمقت جراح السودان، ولا يمكن النظر إلى المشهد بوصفه معركة محلية فقط.
الفاشر آخر عاصمة كبرى في دارفور، المدينة التي قاومت السقوط، ها هي اليوم قد أصبحت في قبضة قوات الدعم السريع، وسقطت آخر رمزية للجيش السوداني في الإقليم. سقوطها ليس مجرد حدث عسكري، بل نقطة تحوّل في مسار الحرب، وبداية لمرحلة تقسيم فعلي للسودان، حتى وإن لم تُرفع خرائط التقسيم بعد.

الأيدي الخفية ودروس السيرة في زمن الفتنة

حين نقرأ الأحداث بعينٍ مجردة، قد نظن أن ما يجري نتيجة صراع داخلي على السلطة. لكن حين ننظر أعمق، نرى خيوطًا تمتد من عواصم بعيدة.
فهناك قوى تبحث عن نفوذ في الموانئ على البحر الأحمر، وأخرى تسعى وراء مناجم الذهب في دارفور، وثالثة ترى في السودان بوابةً لمعادلات الطاقة والغذاء في إفريقيا.

ليست صدفة أن تتزامن معارك الفاشر مع تصاعد التنافس الدولي على البحر الأحمر، ومع حضورٍ استخباراتي كثيف لقوى غربية وشرقية في الإقليم.
كل طرفٍ يقدم نفسه كوسيط سلام، بينما يحرك بيده الأخرى نار الحرب كي تبقى مشتعلة.
هذه هي سياسة إدارة الفوضى التي تتقنها القوى الكبرى: أن تترك النزيف مستمرًا، ولكن بجرعة لا تؤدي إلى موتٍ كامل ولا إلى تعافٍ تام، فتظل الأمة معلقة بين الحياة والموت.

في لحظات كهذه، نستحضر من السيرة النبوية ما هو أكثر من العبرة التاريخية؛ نستحضر البوصلة.
حين كانت المدينة المنورة محاصرة من الداخل والخارج، كانت قوى قريش واليهود والأعراب تظن أن تجربة الإسلام انتهت. كان الخندق هو الفاشر ودارفور وغزة في زمنٍ واحد.
لكن النبي ﷺ علّم الأمة كيف تصبر وتبني وسط العاصفة، لا من خلال ردّ الفعل الغاضب، بل من خلال الإيمان بالتخطيط الطويل، والإصرار على البناء رغم الحصار.

قالها ﷺ بثقة لا يفهمها إلا من يرى التاريخ بعين اليقين:” اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.” هذه الجملة لم تكن انصرافًا عن الواقع، بل إعادة ترتيبٍ للمعنى: أن القيم لا تُقاس بانتصارٍ عسكري آني، بل بقدرة الأمة على البقاء وفية لرسالتها، مهما اشتدت الظلمة.

الاستعمار الجديد وإعادة رسم الخرائط بالدم

الذين يراقبون السودان اليوم يعرفون أن الخرائط تُرسم ببطء. ما فشل الاستعمار القديم في تحقيقه بالقوة، تحققه القوى الكبرى اليوم بالأدوات الاقتصادية والعسكرية الناعمة.
الشركات العابرة، والميليشيات المحلية، وشبكات المرتزقة، وحتى المساعدات الإنسانية، كلها باتت أدوات لتشكيل النفوذ.

في القرن التاسع عشر، كانت الجيوش الأوروبية تدخل إفريقيا بالسفن والمدافع.
أما اليوم، فتدخلها تحت غطاء “دعم السلام”، و”مكافحة الإرهاب”، و”حماية الموارد”.
وهذا هو جوهر “الاستعمار الجديد”: أن تُدار الدول من الخارج دون أن يُرفع علم المحتل.

السودان اليوم ليس وحده في هذا المشهد؛ ما يحدث في الفاشر ليس بعيدًا عما يجري في غزة أو اليمن أو ليبيا.
المنطقة كلها تعيش لحظة إعادة توزيع للأدوار، تُدار فيها الصراعات كي تظل الأمة منشغلة بنفسها، فلا تصوغ مشروعها المستقل، ولا تمتلك قرارها السياسي أو الاقتصادي.

الأمل بين الركام

ورغم هذا المشهد القاتم، يبقى في الأمة بقية من نور. فكل كارثة في التاريخ كانت تفتح بابًا للنهضة، وكل فتنة كانت تمتحن الوعي وتُغربل الصفوف.
الفاشر اليوم ليست فقط ساحة حرب، بل مرآة للوعي العربي والإسلامي: هل نفهم الدرس هذه المرة؟
هل نعي أن التشرذم الداخلي هو الطريق الأقصر لعودة الوصاية الأجنبية؟
وهل ندرك أن الإيمان ليس مجرد طقوس، بل مشروع حضاري للبقاء بكرامة وعدل؟

في السيرة نجد الجواب: حين فُتحت مكة، لم يكن النصر العسكري هو الحدث الأعظم، بل اللحظة التي قال فيها النبي ﷺ: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
فالمعركة الكبرى ليست مع الآخر، بل مع النفس حين تملك وتغفر، وتعيد بناء الأمة من رمادها.

الفاشر اليوم اختبار جديد لوعي الأمة. إما أن نظل نتفرج على مدننا تحترق واحدة تلو الأخرى، ونكتفي بلوم هذا وذاك، وإما أن نستعيد تلك الروح النبوية التي ترى ما وراء اللحظة، وتؤمن بأن الله لا يضيع أمةً ما زال فيها من يقول كلمة حقّ، ولو في زمن الصمت.

قد تبدو الفاشر بعيدة، لكنها في الحقيقة قريبة من كل ضميرٍ حيّ. هي شاهد على أن الخرائط تُرسم بالدم حين ينام الوعي، وأن الأمة التي تتناسى جراحها، يكتب لها التاريخ جراحًا أشد.
لكن طالما بقي في الأمة من يقرأ الأحداث بعين الإيمان لا بعين الخوف، فستظل فيها حياة، ولو على حافة الرماد.

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان