بعد تدخل الرئيس.. انتخابات مصر لا نريدها فرصة ضائعة

جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي عن انتخابات مجلس النواب في مصر اليوم، وطلبه من الهيئة التي تشرف على العملية الانتخابية أن تفصل في الطعون، حتى لو وصل الأمر إلى إلغاء المرحلة الأولى كلها أو بعضها، لتثير عاصفة من الجدل والحديث عن الإجراءات الانتخابية وعملية التصويت وما جاء فيها.
التصريحات المفاجئة التي أطلقها رئيس الدولة كانت وكأنها تذكير بكل ما شهدته الانتخابات من تجاوز للقانون في مواضع كثيرة.
والحقيقة أن الانتخابات البرلمانية في مصر لم تكن أبدًا مجرد دعاية ولافتات ومؤتمرات والسلام،
بل كانت حراكًا للمجتمع بقواه السياسية والاجتماعية.
كانت تنافسًا يكشف خريطة المجتمع وتناقضاته وأزماته وانحيازات أبنائه.
ولم يكن البرلمان مجرد قاعات ومكبرات صوت، بل كان وعدًا مؤجلًا، وعدًا بأن يصير التنافس السياسي خطوة على طريق تحوُّل ديمقراطي طال انتظاره، ومساحة لتمثيل الجميع سياسيًّا والتعبير عن الناس بشكل حقيقي.
ما دفع رئيس الجمهورية إلى الحديث هو ما بدا من مشهد الانتخابات الجديدة في مصر.
فقد كان قديمًا بامتياز.
صوت واحد، وصداه، يسيطر على كل شيء بلا تنافس.
تحولت الانتخابات من فرصة واعدة نحو التحول إلى الديمقراطية إلى فرصة ضائعة جديدة.
البلد أعاد السير في الطريق نفسه دون أن يلتفت إلى الوراء، رغم أن التاريخ القريب يحمل العبر والدروس التي يمكن الاستفادة منها بنظرة سريعة وعابرة.
البداية من القائمة المغلقة
في ثمانينيات القرن الماضي، وبالتحديد في عام 1984، جرَّبت مصر نظام القائمة المغلقة، وجرت الانتخابات في ذلك العام وفقًا لهذا النظام الانتخابي.
أبطلته المحكمة الدستورية العليا في عام 1987 لأنه لا يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، ويمنع بعض الفئات من الترشح.
أعادت السلطة وقتها الانتخابات بعد أن صدر القرار الرئاسي بحل البرلمان واستبدال القائمة النسبية بالقائمة المغلقة.
لم يكن البحث عن النظام الانتخابي الذي يمثل الجميع جديدًا في مصر، بل كان طريقًا طويلًا وجدلًا مستمرًّا، تنقل البلد فيه بين أنظمة انتخابية متعددة:
من القائمة المغلقة إلى النسبية، ثم إلى النظام الفردي، ثم الجمع بين النسبية والفردي كما حدث في أعقاب الثورة عام 2011.
في الانتخابات الحالية أصر “بعضهم” على العودة إلى القديم بالكامل.
نظام القائمة المغلقة المطلقة كان الضربة الأولى لقتل التنافس الانتخابي.
عمليًّا، سمح النظام الانتخابي الصعب بقائمة واحدة فقط، ضمت تحالفًا بين أحزاب الموالاة وأحزاب “المعارضة” التي قبلت التحالف معها تحت مسمى “القائمة الوطنية”.
ثم صادر النظام نفسه قدرة القوى السياسية والاجتماعية الأخرى على خوض الانتخابات أو تشكيل قوائم منافسة.
بدت النتائج محسومة لصالح “القائمة الوطنية” قبل أن يذهب الناس إلى صناديق الانتخابات.
لم يكن في المشهد إلا فائز فقط، فليس هناك خاسر أو منافس من الأصل.
حالة من الانفصال بين الناخب وصندوق التصويت حكمت المشهد بالكامل.
انكشف المشهد المعيب، الذي انتقده الرئيس ضمنيًّا، حتى لو واصل الإعلام حديثه عن حشود كبيرة وغير مسبوقة.
فالانتخابات بلا تنافس تتحول إلى مهرجان يُفقدها تأثيرها وهيبتها.
فلا يمكن تصديق مشهد انتخابي حُسمت نصف مقاعده قبل أن يتوجه الناخبون إلى اللجان، وقبل أن يبدأ القضاة فرز الأصوات.
ولا يمكن الإيمان بأن طريق الصوت الواحد يمكن أن يكون مقدمة لأي تطور ديمقراطي.
صوت واحد فرض نفسه كما لم يتمنَّ أحد.
الفرصة التي كانت ممكنة
كانت هناك فرصة.
بسيطة، لكنها حقيقية وجادة.
منذ نحو 8 سنوات تعاني مصر اختناقًا في الممارسة السياسية.
ضاق المجال العام حتى كاد يتلاشى.
فرضت السلطة الحالية قيودًا كبيرة على الأحزاب والإعلام والمجتمع المدني.
بدت الانتخابات البرلمانية وكأنها فرصة لفتح النوافذ المغلقة ودخول الهواء قليلًا.
منذ نحو عامين بدأ الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية.
تشارك الجميع -معارضة وموالاة- في حديث عن الانتخابات وقوانينها وإجراءاتها.
وقتها بدا أن “بعضهم” مقتنع بجدية السلطة في أن تكون الانتخابات البرلمانية خطوة في طريق الانتقال إلى الديمقراطية وفتح المجال العام.
طالبت المعارضة وتفاوضت لإقرار نظام انتخابي يجمع بين القائمة النسبية والنظام الفردي.
كان التصور العام أن هذا النظام يضمن أوسع تمثيل ممكن لجميع القوى السياسية.
كان السير في هذا الطريق هو الفرصة التي يمكن باغتنامها أن يتحرك المجتمع خطوات إلى الأمام.
ثم عاد الوضع إلى ما كان عليه.
واستمر الحصار وغياب السياسة.
أضاع النظام الانتخابي والحصار القاسي المفروض على الحياة العامة كل إمكانية لتكون الانتخابات نقطة انطلاق إلى مستقبل مختلف وانتقال ديمقراطي سلس وآمن.
ثم أنهت التجاوزات التي شابت المرحلة الأولى من الانتخابات كل أمل في العملية الانتخابية كلها.
الفرصة التي ضاعت لم تكن مجرد التمثيل النيابي للأحزاب والقوى السياسية، بل الأكثر قسوة هو عدم اقتناص اللحظة لتكون متنفسًا للأحزاب والنقابات ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، تمارس دورها في المنافسة السياسية والنشر والرقابة ورفع القيود غير المسبوقة التي تكبل الحياة العامة.
كان من الممكن أن يتحول المشهد إلى ساحة جادة للتنوع، وأمل جديد لعودة السياسة من موتها إلى الحياة.
لكن البعض اختار ما اعتبره استقرارًا، وهو في الحقيقة جمود له أخطاره.
أُغلقت اللعبة قبل أن تبدأ. ضاعت الفرصة لأننا لم نصدّق أن الديمقراطية ممكنة.
وحين تُغلق أبواب السياسة ينتشر الإحباط والغضب.
غياب التنوع عن البرلمان
اليوم يشير رئيس الجمهورية ضمنيًّا إلى تجاوزات مرت بها الانتخابات.
وهو تحذير يمكن استثماره في ألا يبدأ البرلمان الجديد في صمت يشبه ما سبقه في السنوات العشر الأخيرة.
وتوجيه يمنع أن يكون التمثيل النيابي غير مكتمل.
ولفت نظر يحمي من غياب التنوع والصوت المعارض المشاكس.
لا نريده برلمانًا لا أحد فيه يسأل أو يُساءَل.
اختفى الأداء البرلماني الحقيقي عن البرلمانات السابقة.
في غياب التنوع والتعدد كل شيء محسوم سلفًا.
برلمان قائم وسياسة غائبة.
فالمفاجأة التي يبدو أن بعضهم يتجاهلها هي أن البرلمان دوره سياسي بالأساس.
صورة البرلمان بلا سياسة وبلا نواب جاؤوا بانتخابات حقيقية تتحول إلى شكل بلا مضمون.
مجلس الصوت الواحد لا يسمع إلا نفسه، ولا يرى إلا كل ما هو جميل وآمن.
أهم أدوات الرقابة معطلة، وكل التشريعات تمر دون عواصف.
وهو درب مخيف وغير آمن مهما بدا غير ذلك.
فهل تتحول تحذيرات رئيس الجمهورية إلى بداية جديدة على طريق التنوع؟
الأيام هي التي ستجيب عن السؤال.
