كردي فقط أم سوري فقط؟

أكراد سوريون يرفعون لافتات وأعلامًا خلال مظاهرة تطالب بإدارة ذاتية وحقوق كردية في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في شمال شرق سوريا (الفرنسية)

في ظل الذاكرة المحتقنة بفعل التجهيل والتجييش الإعلامي والتسييس للهويات داخل سوريا، تنكمش الخريطة الواسعة للانتماء، ويتحوّل الإنسان إلى معادلة قومية لا تتسع لخبرته ولا لذاكرته، وإنما تحاصره وقد تدمره في ظل الثنائيات الحدية أو الاصطفافية الصفرية. لكن الهويّة لا تُقاس بجودة اللسان، ولا برفع راية القومية أو الوطنية أو الطائفية، بل بالبنية العميقة التي يتشكّل فيها الفرد: سوريًّا في وطنه، كرديًّا أو عربيًّا في قوميته، مسلمًا أو مسيحيًّا أو يزيديًّا في معتقده، وشاميًّا أو جزراويًّا أو جبليًّا في لهجته وذاكرته.

إن السلامة في توحيد قصدكم
ولن تضـلوا بإخـلاد لإرشـادي
لا يجمع الشمل إلا مقصد جلل
يفـدى حـلالا بأرواح وأجسـاد
وقد وهبت له روحي وما ملكت
يدي وقومي وأولادي وأحفادي

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

الشخصية تتكون من طبقات غير اختيارية، وهي لا تتفاضل بل تتكامل في الإنسان السويّ، وتتساند وتتجاور؛ فأن يكون المرء كرديًّا ابن قومية، لا ينفي أن يكون وطنيًّا سوريًّا؛ كما أن المسلم السني أو العلوي أو الدرزي لا يُنتزع من طائفته حين يقول: أنا سوري. والمرأة الشامية لا تتناقض مع كونها ابنة قومية أو طائفة أو وطن. الإنسان في حالته الطبيعية ابن بيئته المركبة ووسطه الاجتماعي وطبقاته غير المختارة بين الدين والوطن والقومية دون تنافر، ومتراكبٌ دون تناقض؛ لا يحتاج إلى إقصاء جزءٍ من ذاته ليُثبت جزءًا آخر.

لكن الواقع السوري يبتعد عن هذا كله، والحقيقة أن المشهد السوري لم يهبط فجأة إلى هذا القدر من التوتر الهويّاتي؛ بل كان حصيلة عقودٍ طويلة من سياسة ممنهجة اعتمدها النظام البعثي، سياسة اشتغلت ببطءٍ وصرامة على تفريغ الهويات من معناها الطبيعي ودفعها نحو مربّع الشكّ والصراع. فبدل أن تكون القومية فضاءً ثقافيًّا، والدين إطارًا معنويًّا، والانتماء الوطني قاعدة مشتركة؛ جرى طحن هذه الطبقات جميعًا في ماكينة الاستئصال السياسي، وفق ذهنية الحزب الخالد والأب القائد. فخرج السوريون من تحت هذا الإلغاء بهويات مرتابة، قلقة، يتوجس بعضها من بعض، وبذلك انتقل اختلافنا الطبيعي -الذي وُلدنا به، والذي لا اختيار لأحدٍ فيه: لغةً، وطائفةً، وقوميةً- من كونه تنوّعًا اجتماعيًّا مشروعًا إلى خلافٍ وجدانيّ تتبادل فيه المكوّنات الظنون قبل الكلمات بفعل التسلط السياسي والإرادات المتسيدة بالإكراه.

لقد نزلت الهويات من موقعها الطبيعي في الاجتماع إلى وحل المنازعة غير العاقلة، ومن كونها خصائص بشرية إلى كونها حدودًا نفسية وأخلاقية وشعورية تفصل بين أبناء الوطن الواحد. ثم جاءت سنوات الثورة فرصة خلاص، لكن الإرادات الدولية استكملت ما قام به البعث من عبث، فحوّلت سوريا إلى ساحة مفتوحة تتنازعها قوى خارجية بأيدٍ داخلية. فتضاعفت الشروخ، وتحوّلت الهويات التي صمدت قرنًا كاملًا في العيش المشترك إلى أدوات تعبئة، وإلى أوراق تفاوض، وإلى خطوط تماسّ جديدة لم يكن السوريون هم من رسمها، بل رُسمت لهم ورُسموا داخلها.

هكذا، وبدل أن يخرج السوري من الثورة أكثر وعيًا بذاته، خرج أكثر تمزّقًا؛ وبدل أن تكون هوياته طبقاتٍ يكمّل بعضها بعضًا، صارت أحمالًا تُلقى على كاهله. وبهذا كلّه، اكتمل انزلاق الهوية السورية من فضاء التفاعل إلى فضاء الصراع، ومن التنوع الطبيعي إلى خلافٍ وجدانيّ يكاد يُختصر في سؤال: من نحن في وطنٍ صودر منا، ثم وُضع كلٌّ منا في مواجهة الآخر؟

وصلنا إلى مشهد يقرر فيه بعض الكرد: “أنا كردي ولست سوريًّا”، ويحتّم بعض العرب: “هيمنة عربيته على البلد”، وكأننا نقيس الانتماء بمسطرة سياسية لا بمبدأ تكاملي. وهو مشهد يختصر مأساة الهوية حين تتحوّل من معنى جامع إلى عبءٍ يولّد الانقسام.

 القوميّ المتألِّه وصناعة الشقاق

يظهر الصوت الأكثر إضرارًا بالجميع: صوت القوميّ المتألِّه، الذي يرفع القومية من انتماء ثقافي إلى ميزان يحاكم به البشر. يُمتحَن الكردي في لغته ولهجته، ويُسأل العربي عن نقاء عروبته، ويُصنَّف السوري وفق غياب غير فاعل لا وفق الفضاء الحضاري والتاريخي والاجتماعي. القوميّ المتألّه لا يكتفي بأن يكون ابن قوميته، بل يطلب أن يكون محتكرًا لمعناها؛ فيقرّر من هو الكردي الشرعي ومن هو العربي الصالح، وكأن الانتماء يُمنح ويُسحب بقرار حزبي أو غضبة قومية.

وفي مقابل هذا التشظّي، ثمة حقيقة يتجاهلها الجميع: لا كرامة لقومية بلا وطن حر، ولا قيمة لوطن حر إذا كان يسحق كرامة قومياته وطوائفه. فسوريا لا تستقيم إذا جُرح الكرد، والكرد لا يستقيم مستقبلهم داخل وطنٍ منكسر، والعرب لا يستطيعون بناء دولة تُقصي جزءًا من جسدها. وكل محاولة لوضع الكردي في مواجهة السوري، أو السوري في مواجهة الكردي، أو العربي في مواجهة الكردي، ليست سوى صيغة أخرى لتخريب الوطن، وإعادة إنتاج المأزق ذاته الذي نجح الاستبداد السياسي في تسويقه لعقود.

يبرز مثال تاريخي يستحق التأمل: حين كتب أحد أعلام سوريا رسالة مفتوحة قال فيها -وهو الكردي النشأة والأصل- إنه تبرأ من بعض أبناء قوميته لأنهم لوّثوا قوميته بالعمالة، تمامًا كما تبرأ يومًا من بعض المسلمين الذين شوّهوا الإسلام نفسه. ثم تساءل بوضوح: من الصادق في انتمائه؟ الذي يصفّق لخيانة قوميته أم الذي ينكرها؟ كان يتحدث لا بوصفه كرديًّا يطلب امتيازًا، بل بوصفه فردًا يدافع عن كرامة قومية لا يرضى أن تُستعمل مطيّة لأحد. ثم عاد ليذكّر بما هو أهم: أنه هو -لا غيره- قد مزّق الحجاب الذي فُرض على صورة الكرد في الوعي العربي، عندما قدّم الثقافة الكردية إلى العرب في عمل أدبي معرفي لم تستطع أحزاب كاملة القيام بمثله. والمفارقة أنّ الذين يرفعون اليوم راية القومية بصخب، لم يستطيعوا أن يقدّموا لشعبهم ما قدّمه ذلك الرجل بفعل ثقافي واحد.

الواقعة ليست دفاعًا عن شخص، بل درسًا في معنى الانتماء: القوميُّ الأصيل ليس من حول قوميته إلى حربة؛ فالإنسان قيمته بقيمه لا بقوميته، بل هو من يبني الجسور أكثر، وليس من يشتم العرب أو الكرد أو غيرهم، بل من يحفظ كرامة الجميع، لأن حفظ الكرامة هو الفعل القومي الحقيقي، لا تعكير الهواء بالصوت.

نحو صيغة سورية تستوعب الجميع

والمشهد السوري اليوم يحتاج إلى إعادة ترتيب لهذه العلاقة: الهوية ليست صراعًا بين كردي وعربي وسوري، بل هي صيغة إنسانية واسعة يمكن فيها أن يقول الفرد: “أنا كردي سوري مسلم”، أو “أنا عربي سوري مسيحي”، دون أن يشعر أن أحد هذه الانتماءات يهدّد الآخر. وإن أراد السوريون -كردًا وعربًا وآشورًا وتركمانًا- أن يستعيدوا وطنهم، فعليهم أولًا أن يستعيدوا القانون العادل لا اللسان العازل، وهويتهم الإنسانية الوطنية لا المشاكسات الحزبية.

فالوطن يُبنى حين لا يجد الكردي غضاضة في أن يكون سوريًّا، ولا يجد العربي خوفًا من الاعتراف بخصوصية الكرد، ولا يشعر أحد بأن السوريّة عبء، أو أن القومية سيفٌ مسلّط، أو أن الطائفة لافتة حرب. سوريا لن تُبنى بثنائيات، بل بإزالة الثنائيات؛ لن تُبنى بالشك المتبادل، بل بالثقة المتبادلة؛ ولن تُبنى بصوت القومي المتألّه، بل بصوت الإنسان الذي يعرف أنّ الهويات ليست خرائط دم، بل خرائط معنى.

وعندما يفهم الكرد أنّ العرب ليسوا خصمًا، ويفهم العرب أنّ الكرد ليسوا خطرًا، عندها فقط يمكن أن تُفتح صفحة جديدة: صفحة وطن يُعطي لكل قومية حقّها دون ابتزاز، ويأخذ من الجميع قوتهم دون خوف. وطن لا يشعر فيه أحد أنه ضيف في بيته، ولا أن هويته تهمة، ولا أن أصله موضع مساءلة. ذلك هو الطريق الوحيد لتخرج سوريا من ليلها: أن تتعافى كرامة الكرد وسائر القوميات والطوائف في قلب سوريا، وتتقوّى سوريا بقوة الكرد، وأن يتقوّى العرب بقوة غيرهم، حتى لا يظل الوطن جسدًا يسير على قدمٍ واحدة.

في زمن الثنائيات المختزلة، حين تُختصر الهويات في معادلات مبسّطة من قبيل: كردي سوري؟ أم سوري كردي؟ أم كردي فقط؟ أم سوري فقط؟ تضيع الحقيقة الأوسع: نحن لسنا أبناء ثنائيات متصارعة، بل أبناء انتماءات متكاملة، تتساند ولا تتفاضل، وتتلاحق ولا تتنافى. فالهويات ليست طبقات متنافسة، بل دوائر متداخلة تجتمع عند نقطة واحدة اسمها: الإنسان الحر.

وعندما نقول: أنا كردي سوري، فهذا لا يلغي سوريّتنا، ولا ينتقص من كرديّتنا. وعندما يقول أحدهم: أنا سوري كردي، فهو لا يلغي قومية ولا يحاصر وطنًا، بل يعلن توازنًا بين جذر قومي وفضاء وطني. فليس ثمة تناقض بين أن تكون كرديًّا وأن تكون سوريًّا؛ كما لا يُتّهم العربي حين يقول: أنا عربي سوري بأنه تخلّى عن سوريته أو عن عروبته.

عندها فقط نستطيع أن نقول: هذه سوريا الممكنة.. سوريا التي تستحق، والتي تتسيد فيها القيمة على القوميات، والقوميات المبنية على القيم، والطوائف على أساس المواطنة.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان