الكيميتيون والذين معهم.. حركة ثقافية أم ديانة فرعونية؟

لأول وهلةٍ تخيلتُ أن حالة الزَّهْوِ والانتشاء الحضاري التي انتابت قطاعات من المصريين أثناء وعقب افتتاح المتحف المصري الكبير هي حالة منطقية.
حيث تصورتُ في أول الأمر أن تلك الحالة تشبه إلى حد كبير حالة النشوة التي غمرت النخبة المصرية قبل أكثر من قرن تقريبًا؛ حينما تم اكتشاف قبر توت عنخ آمون عام 1922.
حيث تحولت المقبرة آنذاك إلى كعبة لأتباع القومية المصرية، وقد جرت في أرض النيل وقتها محاولة استعادة تاريخ مصر الفرعوني، عبر نشر الرموز الفرعونية على طوابع البريد والعملة الورقية، وفي تصميم شعار الجامعة المصرية، كما تَكَرَّس الأمر في الكتب ومقالات الصحف وفي الشعر وغيرها من مظاهر تلك المرحلة.
لكن كل ما سبق أن تخيلته حول وجه الشبه سرعان ما تهاوى مع حجم الضجيج والتشنّج، وما تَكشَّف من معلومات تدعو إلى استبدال ثقافة وهوية الأغلبية الساحقة من الشعب المصري.
وقتها فقط أدركتُ أننا لسنا بصدد حركة قومية علمانية، بل إلى حركة شديدة العنصرية، تدعو بشكل فجّ إلى الانسلاخ ومجابهة العروبة والإسلام.
حركة ثقافية أم ديانة فرعونية؟
الكيميتية هي دعوة من البعض إلى التراث الحضاري الفرعوني واللغة الهيروغليفية بديلًا عن التراث العربي والإسلامي واللغة العربية، وهذه الدعوة تكتسب زخمًا طائفيًّا منذ عقد من الزمان، وقد أسفرت عن تيار عنصري فاشيّ يقدم نفسه على أنه حارس الهوية المصرية.
والعودة إلى الفرعونية ليست دعوة جديدة، لكن الجديد هو التبجّح بها ومحاولة انتحال صفة الوريث الحضاري، والجديد أيضًا هو الاسم المستوحى من اسم مصر في اللغة المصرية القديمة “كيميت” بمعنى “الأرض السوداء”.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 2 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 3 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 4 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
ولا نستطيع القول إن الكيميتية حركة ثقافية أو ديانة فرعونية، لكنها رداء مذهبي ينضوي تحته مناوئو الإسلام والعروبة وأصحاب الدعاوى الإلحادية والطائفية.
وهؤلاء يتدثرون حيلة ببعض الجوانب الاجتماعية والثقافية للحضارة المصرية القديمة؛ من خلال الاحتفال بالمناسبات وتبني بعض الممارسات الثقافية.
ومضمون الأمر في النهاية -كما يعلنون- هو التنصل من الهوية العربية والإسلامية.
أما ما يقال حول وجود ديانة حديثة تتضمن ممارسات وثنية مثل عبادة الآلهة المصرية القديمة واعتبارها دينًا مُنظمًا قائمًا على هرمية من الكاهنات والكهنة، فكل ذلك مبالغ فيه ولا يلقى رواجًا عند الأغلبية من أتباع كيميت، فلا الملحد آمن، ولا الطائفي غير المسلم ترك دينه.
ولعل المقطع الذي انتشر مؤخرًا لأحد الملحدين المصريين الذين يرفعون شعار كيميت يعبّر بوضوح عن تفاصيل المشهد، حيث قال مخاطبًا مريديه: «الكيميتية حِجّة (وسيلة) حتى ننتهي من الإسلام في مصر».
كراهية بلا حدود
ويستطيع المتابع الجيد لنشاطات الكيميتيين ملاحظة أن الملمح الأهم في تحركاتهم -وهو نفسه قد يكون عامل فنائهم- هو الكراهية.
والكراهية وحدها لا تصلح عمودًا فقريًّا لبناء تيار أو لنجاح حركة.
ويستطيع القارئ بنفسه أن يتابع شراسة العبارات والأطروحات العنصرية التي تمتلئ بها المجموعات الخاصة بهم على مواقع التواصل.
ولم يكتفوا بذلك، فقد شكّلوا كتائب إلكترونية للهجوم بشراسة وعنف بغرض الإرهاب والتخويف، ليس اتجاه من ينتقدهم، بل اتجاه الآراء المخالفة لما ينادون به.
ومن أوضح الدلائل على ذلك ما حدث من هجوم كاسح على الكاتبة صافي ناز كاظم لمجرد أنها عبّرت على صفحتها الشخصية عن اعتزازها بالحضارة الإسلامية واستنكارها لهذا الضجيج المفتعل.
وهؤلاء لا يدعون فقط إلى العودة إلى الجذور المصرية القديمة واستدعاء الحضارة المفقودة، بل قبل ذلك يكرهون المسلمين والعرب، فيقولون:
– «كنا بخير حتى استعربونا».
– «نحن لسنا عربًا ولكن نتكلم العربية فقط».
كما يفضّلون غير العرب على العرب من حيث النسب والحضارة، ويمجدون أي حضارة قبل الإسلام (وكأنها شعوبية حديثة).
وهم أيضًا يكرهون الأفارقة، ففي حين يزعمون نقاء العرق المصري وامتداده منذ آلاف السنين، ينسبونه إلى العرق الأوروبي الأبيض، ويدّعون أن المصريين القدماء كانوا قوقازيين.
ولذلك يتحمسون لتوسيع هوة الخلاف بين مصر وإثيوبيا، ومصر والسودان، ومصر وبعض دول الخليج.
موقف النخبة الحقيقية
في خطاب فوزه بجائزة نوبل، أشار الأديب نجيب محفوظ إلى العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الفرعونية، قائلًا: «أنا ابن حضارتين شكّلتا في مرحلة معينة من التاريخ زواجًا سعيدًا؛ أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة وهي الحضارة الفرعونية، والثانية عمرها ألف وأربعمئة سنة وهي الإسلامية».
وصيغة محفوظ -وهو الروائي الأعظم في التعبير عن الحالة المصرية- هي نفسها صيغة المواطن المصري الذي يعتز بعروبته وإسلامه كما يفتخر بمجد أجداده دون تعارض.
كما أن حضارة الإسلام نفسها تمتاز بسعة أفق هائلة. ففي نفس خطاب نوبل، يقول محفوظ متحدثًا عن الإسلام: «أما الحضارة الإسلامية فلن أتحدث عن دعوتها إلى إقامة اتحاد بين البشرية جمعاء تحت ولاية الخالق، على أساس الحرية والمساواة والمغفرة…
سأقدّم بدلًا من ذلك تلك الحضارة في موقف درامي مؤثر يلخص إحدى أبرز سماتها: في معركة واحدة منتصرة ضد بيزنطة، أعادت أسرى حربها مقابل عدد من كتب التراث اليوناني القديم…».
ولم يكن رأي محفوظ نشازًا، ففي كتابه في منزل الوحي يروي الدكتور محمد حسين هيكل -الذي دعا إلى الفرعونية عشر سنوات- تجربته: «أدركتُ بعد لأيٍ أنني أضع البذر في غير منبته… فرأيت أن تاريخنا الإسلامي هو وحده البذر الذي ينبت ويثمر».
أما المفكر عبد الوهاب المسيري فكان رأيه حاسمًا: «هذا جزء من المخطط الصهيوني… لأنه لو عدنا إلى ما قبل الإسلام لكان هناك وطن فرعوني وآشوري وبابلي، وبالتالي وطن عبري…».
