سليم العوا.. في مرمى النيران

أثارت عبارة قالها المفكّر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا مع الدكتورة رباب المهدي في حلقاتها عبر قناتها على اليوتيوب بعنوان «الحل إيه؟» جدلًا كبيرًا؛ حيث انقسم الناس إلى فريقين، فبعضهم انهال ذمًّا وتجريحًا على الرجل وتاريخه دون أن يكلف نفسه مشاهدة الحلقة كاملة التي تبلغ مدتها ما يصل إلى ساعة ونصف، وأمسك القوم بتلابيبه بسبب جملة «إن السيسي تحمّل ما لا يتحمّله بشر خلال سنتي الحرب في غزة»، وهذه الجملة اجتُزئت من سياق حوار طويل لمجرد ظهورها في البرومو الخاص بالحلقة.
ولم يتطرّق البعض لما دار في الحوار من إجابات وتفاصيل قالها العوا، وسنّ البعض له السكاكين يريدون ذبحه وقد بلغ 82 سنة، ونسوا كل مواقفه، فلم يتذكّروا منها سوى المواقف السلبية من وجهة نظرهم.
الاستقطاب
منذ ثورة يناير 2011 ومصر تشهد نوعًا من الاستقطاب السياسي والديني، وظهر ذلك جليًا بعد استفتاء مارس 2011؛ حيث بدأت حالة من الاستقطاب السياسي وفق الأيديولوجية السياسية والدينية، وبات الناس يقيسون علاقتهم بالآخرين وفق مقولة «مَن ليس معي فهو ضدي، ومَن لا يتحدث بلساني فهو عدوي».
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
- list 2 of 4العمرة.. دليلك العملي لتقليل الجهد وزيادة الثواب
- list 3 of 4هيكل.. 50 عاما من العواصف
- list 4 of 4الرومانسية تعيد العائلة التركية إلى الدراما
ومنذ بداية هذا الاستقطاب السياسي الذي بدأ مبكرًا عقب ثورة يناير، ظهر مصطلح الفلول، ثم ضخّمه رجل الأعمال نجيب ساويرس عندما دخل بماله المعترك السياسي بعد تأسيس حزب المصريين الأحرار، وبدأت المناوشات مع التيار الإسلامي في الحشد للاستفتاءات وكأنها معارك دينية وليست سياسية؛ مما جعل كرة الثلج تتدحرج وتتضخم حتى صارت جبلًا عقب يونيو 2013، وربما ستستمر في التدحرج لوقت لا يعلمه إلا الله.
في البرومو الترويجي للبودكاست الذي أُجري مع الدكتور سليم العوا اعتمد على جُمل وكلمات قيلت أثناء الحوار لجذب المشاهدات، وهو فخ وقع فيه الكثيرون لاعتمادهم على هذا البرومو دون مشاهدة الحلقة كاملة، وتبنّوا وجهات نظر وفق هذه المشاهدة السريعة، أو ما تابعوه عنها دون سماع المحتوى كاملا، وهو خطأ يقع فيه الكثيرون نتيجة التسرع وعدم قدرة البعض على الاستماع لحلقات مطوّلة، ثم يدلي بدلوه وفق نظرية العقل الجمعي أو نظرية القطيع.
البعض لم يترك الأمر يمرّ دون اتهام العوا بقربه من إيران والشيعة؛ وذلك بسبب آراء الرجل في ضرورة التقارب مع إيران اقتصاديًّا وعسكريًّا، والاستفادة منها، ونفيه سعي إيران لنشر التشيّع في المنطقة، خاصة في مصر، مؤكدًا أن الفاطميين حكموا مصر مئات السنين، ولم يستطيعوا نشر التشيع فيها.
لم يقدم العوا نفسه يومًا على أنه ثائر أو «ثورجي»؛ بل يقدم نفسه على أنه إصلاحي، ولكن شهدت شخصيته تحولًا لافتًا خلال ثورة 25 يناير؛ حيث يروي شهود عيان رؤيته في ميدان التحرير يحمل الحجارة، ويدافع عن الثورة ضد البلطجية يوم موقعة الجمل، رغم خروجه حديثًا من عملية قلب مفتوح؛ مما كان يعرّض حياته للخطر، وهذا الموقع جعله حلقة وصل مهمة بين الثوار والمجلس العسكري، مستفيدًا من ثقة الطرفين به.
إذن، الرجل ضمن ثوار يناير، وأحد كوادرهم، انتقد الدولة، وانتقد المعارضة، سواء كانت معارضة يسارية أو دينية، وحتى عندما رشّح نفسه للرئاسة في 2012 رشّح نفسه مستقلًّا عن أي تيار أو حزب، وله آراء وأفكار تختلف معها أو تتفق، فهو نسيج وحده، وله قيمته، سواء تتفق أو تختلف مع هذه القيمة.
العوا ضد التهجير
أذكر أنني حاورت الدكتور سليم العوا في فبراير العام الماضي حول معركة «طوفان الأقصى»، فكان موقف الرجل محترمًا، ومع المقاومة بكل طوائفها ضد الكيان المحتل، ومن ضمن ما قاله لي: «المُعلن أن الدول العربية التي يُمكن التهجير إليها، وهي مصر وسوريا والأردن، كلها تقف ضد مشروع التهجير بقوة، والعالم الغربي نفسه يقول إنه ضد التهجير، ولكن لا ثقة لديّ في كلام أمريكا أو الغرب، فقد يغيرون رأيهم في أي لحظة». إذن، رد الرجل وتصريحه لم يكن غريبًا، فمصر بسبب رفضها التهجير تعرضت لضغوطات كثيرة.
وقال أيضًا إن «طوفان الأقصى لم يكن مطلوبًا تجنبه؛ بل إن بدء الطوفان واجب متى كان ذلك متاحًا؛ لأن مقاومة المحتل الذي يجرم بحق الشعب الفلسطيني منذ عقود دون وازع أو رادع أمر واجب».
سليم العوا ليس مجرد مفكر عابر في المشهد السياسي المصري؛ بل هو قيمة فكرية وقانونية جمعت بين تخصصيْن دقيقين: الفقه الإسلامي، والقانون الوضعي. وهذه الثنائية أهّلته ليكون مرجعًا فريدًا في القضايا الخلافية، وصاحب رؤية مميزة في إشكاليات العلاقة بين الدين والدولة.
ظل العوا متمسكًا بموقف وسطي في علاقة الدين بالسياسة، رافضًا فصلهما تمامًا، كما رفض اختزال الإسلام في السياسة؛ مما جعله في مرمى نقد جميع الأطراف؛ حيث يراه العلمانيون متديّنًا أكثر من اللازم، ويراه الإسلاميون علمانيًّا أكثر من المطلوب.
الجدل الدائر حول الدكتور العوا يطرح سؤالًا أكبر عن تعامل المجتمعات مع رموزها، وهل يصحّ إسقاط تاريخ حافل بالعطاء بسبب موقف أو تصريح؟ وبين مَن يرى أن العوا «خرج من الصلاحية»، ولم يعد قادرًا على مواكبة المستجدّات، ومَن يدافع عنه كـ«قيمة وقامة» تستحق التقدير رغم الاختلاف، تبقَى مساحة للحوار الموضوعي.
الرموز الفكرية بشر يخطئون ويصيبون، وتقييمُهم يجب أن يكون بشمولية وإنصاف، لا بانتقائية وتحيّز. فالإسلام يأمر بالعدل حتى مع الخصوم، والعدل –كما يقول العوا في بحثه «العدل في النص القرآني»– هو «إعطاء الحق لصاحبه»، والقِسط بين الناس.
في زمن الاستقطاب الحاد؛ حيث يتحوّل كل خلاف إلى قطيعة، وكل تصريح إلى محاكمة، يبدو أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف ثقافة الاختلاف، والاعتراف بالآخر، حتى لو كان هذا الآخر هو الدكتور محمد سليم العوا نفسه.
