نفرة عالمية دعمًا للشعب السوداني

قبل أيام أطلق رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان دعوة إلى التعبئة العامة للشعب السوداني للمشاركة المباشرة مع الجيش في مواجهة قوى التمرد المدعومة إقليميًّا ودوليًّا التي تستهدف السيطرة على السودان أو في الحد الأدنى فصل بعض أجزائه.
دعوات التعبئة العامة أطلقها قبل البرهان وبعده أيضًا عدد من القادة العسكريين والسياسيين السودانيين، والحقيقة أن الشعب السوداني لم يكن بحاجة لذاك الاستنفار، فقد نفر من تلقاء نفسه للدفاع عن نفسه، وعن وطنه، وانخرط الكثيرون في صفوف الجيش مباشرة، أو في صفوف القوات المساندة للجيش، أو في الكتائب الشعبية المسلحة. نحن الآن أمام شعب كامل يقاتل دفاعًا عن حقه في الحياة، وفي وطن موحد، في مواجهة عصابات متمردة لا تعرف قيمة للإنسان، ولا للأوطان، إلا بقدر ما تنهب من ثروات، وما تغتصب من حقوق وأجساد!
دولة عريقة وشعب صامد
السودان ليس دولة مستحدثة عمرها خمسون أو سبعون عامًا، بل هو دولة ضاربة في عمق التاريخ، آلاف السنوات قبل التاريخ وبعده، وهو بذلك عصيّ على محاولات المحو والإذابة، وحتى التهميش، سواء أدرك ذلك الغزاة أو لم يدركوه. وحالة الاستنفار الشعبي الواسعة داخل السودان دليل على عراقة هذا الشعب، وإصراره على الحفاظ على وطنه وثرواته وأخلاقه وعاداته السمحة، وقد قدمت هذه الهبّة الشعبية أكبر دعم معنوي للجيش السوداني مكنته من تحرير العديد من الولايات التي سبق لميليشيا التمرد السيطرة عليها بطريقة خسيسة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
كانت تلك الميليشيات تحمل صفة رسمية منحها إياها الرئيس السوداني السابق عمر البشير «قوات الدعم السريع»، وهي حماية العاصمة الخرطوم والمنشآت السيادية والوزارات، ولكنها خانت الأمانة، وقلبت حمايتها إلى احتلال؛ أي أنها غيّرت فقط اليافطة دون جهد يُذكر، وتمتعت بوضع ميداني أفضل لكونها مسيطرة بالفعل على تلك المواقع، ولديها قواعدها العسكرية ومنظومتها التسليحية. ولكن الجيش السوداني الذي رفض مبكرًا وفي عهد البشير نفسه الاعتراف بتلك القوات ـمعتبرًا إياها زائدة دودية ينبغي قطعهاـ أفاق من الصدمة، وأعاد ترتيب صفوفه، ثم بدأ تباعًا في تحرير تلك المواقع والمدن التي سيطرت عليها ميليشيات التمرد، حتى تمكن من تحرير العاصمة الخرطوم، وأصبح مسيطرًا بشكل عام على 13 ولاية من بين 18 ولاية هي كل ولايات السودان، في حين تسيطر الميليشيات على خمس ولايات مشكلة لإقليم دارفور (بعد سيطرتها مؤخرًا على مدينة الفاشر عاصمة ولايته الشمالية). لكن هذه الصورة الكلية للأوضاع على الأرض لا تنفي وجود بعض نقاط الاشتباك بين الجيش والميليشيات في مناطق تابعة لسيطرة الجيش كما هو الحال في بعض مناطق كردفان، أو تحت سيطرة الميليشيات كما هو الحال في بعض مناطق دارفور.
الشعب يسبق الجيش
الموقف الشعبي يتقدم على الموقف الرسمي والعسكري في السودان، وهو الذي يرفض محاولات الوساطة والتسوية وحتى الهدن الإنسانية قبل خروج الميليشيات من المواقع التي سيطرت عليها. يجد الساسة والعسكريون الرسميون أنفسهم محاصرين بضغوط دولية هائلة تصل إلى حد تصنيفهم في قوائم إرهابية دولية، وإصدار بطاقات اعتقال دولية لهم، لكنهم في المقابل لا يستطيعون مواجهة غضب الشعب الذي صمد على مدى أكثر من عامين في مواجهة جرائم القتل والتدمير والاغتصاب والسلب والنهب التي ارتكبتها بحقه تلك الميليشيات، وجزء كبير منها من خارج السودان، وهي مدعومة بشكل كامل من أطراف إقليمية ودولية تمارس الدور ذاته الذي مارسه الاستعمار القديم ولكن بصورة حديثة، وعبر ميليشيات محلية ومرتزقة تم حشدهم من عديد من الدول الإفريقية وحتى اللاتينية وغيرها. ولا يعتبر الشعب السوداني أن مهمة إنقاذ الوطن حصرًا على القوات المسلحة، وبالتالي خرج الشباب والكهول ليدافعوا عن أنفسهم وعن وطنهم.
استنفار دولي رسمي وشعبي
إلى جانب حالة الاستنفار الوطني العام داخل السودان، فإن هناك حالة استنفار دولي بشكل خاص على المستوى الشعبي والمدني، وحتى بعض الدول التي أدركت خطورة ما يحدث في السودان على أمنها القومي مثل مصر، أو التي رأت ما يحدث تهديدًا للسلم والأمن الإقليمي أو الدولي مثل تركيا، وربما الصين، سارعت بتقديم الدعم السياسي وربما العسكري للجيش السوداني، وشاركت في التحركات المناهضة دوليًّا لميليشيات التمرد وداعميها.
من المهم أن تصل الصورة الحقيقية لما يحدث في السودان إلى الرأي العام العربي والدولي حتى تُقطع الطريق على الرواية المضللة التي ينشرها كفلاء الميليشيات، ويستثمرون في ذلك مئات الملايين، بل مليارات الدولارات لتضليل الرأي العام الدولي، وإيهامه بأن ما يحدث في السودان هو محض حرب أهلية بين فريقين من أبناء الشعب السوداني نفسه.
وكما لم تكن المعركة داخل السودان حصرية في القوات المسلحة بل دعمها الشعب بكل ما يملك، فإن النفرة العالمية الداعمة للسودان لا ينبغي أن تقتصر على السودانيين، بل ينبغي أن يشارك فيها كل عربي ومسلم، بل كل حر يؤمن بحقوق الإنسان ويرفض انتشار أفكار وممارسات الميليشيات وتحكمها في الشعوب تنفيذًا لأجندات دول أو حكومات لا تملك سوى المال وتستغله لبناء نفوذ هنا وهناك، كما تستغل تلك الميليشيات للاستيلاء بالشراكة معها على ثروات بعض الدول، ومنها السودان.
مسارات للنفرة الدولية
النفرة العالمية دعمًا للسودان تعمل أو ينبغي أن تعمل على عدة مسارات:
أولًا: مسار دبلوماسي، ويشمل الدبلوماسيتين الرسمية التي تقودها الدبلوماسية السودانية والدول الصديقة، والدبلوماسية الشعبية التي تقودها قوى المجتمع المدني السوداني ومعها كل أنصار وحلفاء الشعب السوداني في كل مكان، وتشمل التواصل مع المؤسسات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني الدولية أيضًا والبرلمانات والأحزاب، إلخ.
ثانيًا: مسار الحراك الميداني عبر التظاهر أمام سفارات الدول الداعمة للتمرد وفضح دورها، وكذا التظاهر أمام المؤسسات الدولية لدفعها لاتخاذ مواقف ضد التمرد وجرائمه بحق الشعب السوداني.
ثالثًا: مسار إعلامي يعمل على تقديم سردية سودانية بشأن الحرب منذ بداية العدوان، وكيف تطورت، ودور بعض الأطراف الإقليمية والدولية في تأجيجها، وتقديم الدعم المالي والعسكري والسياسي لقوى التمرد، وكيف تعامل الجيش والشعب السوداني مع العدوان حتى الآن، وتقديم المعلومات الكافية للإعلام الدولي عما يحدث في السودان.
رابعًا: مسار قانوني حقوقي يستهدف جمع الأدلة على الجرائم التي ارتكبتها ميليشيات التمرد، والتقدم بدعاوى قضائية ضد قادة تلك الميليشيات والحكومات الداعمة لها سواء أمام محكمة العدل الدولية أو محكمة الجنايات الدولية أو حتى أمام المحاكم في العواصم العالمية الكبرى.
خامسًا: مسار إغاثي يعمل على توفير الدعم الإغاثي العاجل للشعب السوداني عمومًا، وللمناطق التي تضررت بشكل مباشر من الاعتداءات، ومعسكرات اللاجئين، والاستعداد لإعادة إعمار السودان.
حجم الفظائع التي ارتكبتها ميليشيات التمرد مرعب جدًّا، والتضامن مع الشعب السوداني عمليًّا لا قوليًّا فحسب واجب الوقت، وهو لا يفيد الشعب السوداني فقط، بل إنه يحمي المنطقة كلها والإنسانية من مصاصي الدماء والثروات.
