هل يعيد جيل زد بناء السياسة؟

عمدة نيويورك زهران ممداني (رويترز)

 

كأن سرديات القرن العشرين تؤذن بأفول، وكأن المخيال السياسي الكوني بصدد التبدّل.
إننا نشهد ميلاد جيل سياسي مختلف يكبر ويفعل خارج المعتاد السياسي والفكري والتنظيمي، إنه جيل زد (Zed)، جيل يفرض أسلوبه السياسي والاجتماعي في الفضاء العالمي بمنطق يتجاوز كلّ الأطر التقليدية للفاعلية. ما قرأناه في حالات متباعدة جغرافيًا هو أنّ هذا الجيل قادر على تحويل شرارات احتجاجية محدودة إلى موجات تعبئة واسعة النطاق، بمهارة عالية في استثمار الاتصال الرقمي، وتكثيف المشاعر الجمعية، وتجاوز الوسائط البيروقراطية التي ما تزال تُكبّل الأجيال الأكبر.

خصوصية هذا الجيل لا تكمن فقط في سرعة التحرك، بل في «اقتصاد الانتباه» الذي يحسن التحكم فيه: يرفع القضايا إلى السطح بسرعة، يعمّمها، ثم يضعها ضمن نسق بصري وخطابي يتيح لها الانتشار دون الحاجة إلى مؤسسات أو قيادات تقليدية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

هذه الدينامية المتجددة تفتح الباب لطرح سؤال جوهري: هل نحن فعلا أمام لحظة ولادة فاعل سياسي جديد يعيد تشكيل علاقة الأفراد بالسلطة وبخيال السياسة ذاته؟ أم أن الأمر تقليعة شبابية عابرة ستخبو عندما يدخل الشباب معترك العمل؟

الاحتمالات الكامنة في جيل زد؟

يُظهر جيل زد أنّه يحمل طاقة سياسية تختلف عن طاقة الأجيال التي خاضت تجارب الثورات الملوّنة أو موجات الربيع العربي. فالخيبات التي راكمتها تلك الموجات، سواء بسبب التدخلات الخارجية أو هشاشة البنية الحزبية أو ضبابية الرؤى، دفعت جيلًا جديدًا إلى التفكير في أشكال بديلة للممارسة السياسية، أقلّ ثقة بالأيديولوجيات الكبرى وأكثر اعتمادًا على المطالب القصوى المتصلة بالكرامة والعدالة والشفافية. لكنّ هذه «اللا أيديولوجية» لا تعني غياب رؤية؛ بل تعني رفضًا للانتماء إلى الخطوط الفاصلة التي صاغها القرن العشرون.

يظهر هذا الجيل كاحتمال سياسي مرن: لا يحمل مشروعًا شموليًا، لكنه يمتلك حساسية عالية تجاه غياب العدالة؛ لا يعترف بقيادات ثابتة أو تاريخية، ويعوضها بشبكات تأثير لامركزية؛ لا ينتمي إلى خطاب واحد، لكنه يبتكر لغات احتجاجية جديدة تتكئ على الرموز الرقمية، المقاطع القصيرة، والصور المكثّفة التي تتجاوز وظيفة التعبير لتصبح أدوات تعبئة. ضمن هذا الإطار، يمكن القول إن جيل زد قد يشكل مستقبل العمل السياسي، فيعيد تفعيل الفضاء العمومي وخلخلة احتكار الدولة لرواية الشرعية. غير أن هذا المستقبل ليس مضمونًا؛ فهو مرتبط بقدرة هذا الجيل على تحويل موجات الغضب إلى هندسة مؤسساتية، لا الاكتفاء بالضغط أو التفجّر اللحظي.

تحرير العقل من الأيديولوجيا

أظهرت تجربة الربيع العربي أن الدولة كانت شديدة المركزية بما جعل محاولة «تحرير المجتمع من قبضتها» تصطدم ببنية سلطوية متجذرة في الاقتصاد والإدارة والأمن والثقافة نفسها. لكن ما قام به جيل زد حتى الآن هو الانفلات من هذا الفخ السياسي؛ فبدل العمل على تفكيك الدولة أو تخفيف قبضتها ضمن مشروع سياسي تقليدي، يبدأ هذا الجيل من نقطة مختلفة وهي تحرير العقل من الأيديولوجيا التي جعلت نقد الدولة مستحيلًا أو جريمة. هكذا يحوّل الجيل سياق التحرر الفكري إلى استراتيجية سياسية بديلة، فيوفر لنفسه مسافة نقدية مع آلات إنتاج المعنى التي رسّختها الدولة والأحزاب، بمن فيها المعارض، والأنظمة التعليمية.

ملاحظاتنا حول تحركات الجيل أنه لا يقترح بديلًا مؤسساتيًا منضبطًا حتى الآن، بل يقترح «تحريرًا معرفيًا»: عبر فكّ الارتباط بين المطالب المدنية للجيل والإحداثيات الأيديولوجية القديمة. إنه ينجز عملية تجاوز وتخلٍّ واعٍ عن تراث سياسي ظُنّ به الثبات والكمال. بهذا المعنى، يخلق هذا الجيل فضاءً سياسيًا يُمارس من أسفل، يقوّض من خلاله القداسة الرمزية للدولة (وللنخبة القديمة) دون أن يدخل في مشروع صدامي شامل مع أيٍّ منهما.

من هذه الزاوية لا يبدو الجيل على أبواب «تحرير المجتمع» من سيطرة الدولة فحسب، بل يتقدم نحو مشروع «تحرير الذات» من المفاهيم التي عطّلت إمكانية التفكير في المستقبل السياسي والاجتماعي. في هذا المستوى، قد تكون السياسة بالنسبة لهذا الجيل فعل مقاومة معرفية قبل أن تكون فعلًا تنظيميًا. قد لا يتجه إلى طلب سلطة على غرار الأحزاب التقليدية، وإنما يظل يمارس النقد والاحتجاج باستمرار كمهمة مركزية حتى يبلغ بالمجتمع حالة من العدالة المرضية. وهذا فهم جديد للسياسة.

إسقاط النظريات الكبرى

خلق جيل زد معضلة، وعليه مواجهتها: تأسيس السياسة على أنقاض معظم النظريات الكبرى، سواء الليبرالية التي فقدت قدرتها على الإقناع في ظلّ التفاوتات المتصاعدة، أو الماركسية التي فقدت قدرتها التعبوية، أو الإسلامية التي لم تعد تملك وهجًا تعبويًا خارج لحظات التهديد الهويّاتي. هذا الإفراغ النظري منح الجيل الجديد قدرة على تحريك الشوارع، لكنه حتى الآن يكشف عجزه عن بلورة أفق. إنّ غياب الأفق ليس مجرد نقص تنظيمي؛ بل هو فجوة في «المخيال السياسي»، أي في القدرة على تخيّل نظام جديد للعيش المشترك.

إن إعادة بناء هذا المخيال البديل تقتضي فعلًا يتجاوز الأفعال الاحتجاجية، ويذهب نحو صياغة مفاهيم جديدة للسلطة، وللمواطنة، وللمجتمع المدني، وللحرية، وللعدالة.

السؤال هنا: هل يمتلك جيل زد القدرة على إنتاج مثل هذا الأفق؟
قد تكون الإجابة مبدئيًا مزدوجة: من جهة، يمتلك هذا الجيل أدوات معرفية ولغوية ورمزية تمكّنه من تفكيك النسق القديم؛ ومن جهة ثانية، يفتقر هذا الجيل إلى التنظيم والوقت والموارد التي تسمح له بتحويل الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسات. هذا ما يجعل لحظة جيل زد لحظة تأسيسية لكنها غير مكتملة، لحظة هدم رمزي أكثر منها لحظة بناء نظري.

هل يمثّل جيل زد احتمالًا تاريخيًا للتغيير؟

في ضوء ما تقدّم، يصعب النظر إلى جيل زد بوصفه ظاهرة عابرة أو موجة احتجاجية موسمية. فالتشكّلات الجديدة التي يدفع بها هذا الجيل (من إعادة ترتيب أنماط الحساسية السياسية إلى خلخلة مركزية الدولة في إنتاج المعنى) تشير إلى عملية تاريخية أعمق من مجرد ردّات فعل اجتماعية.

غير أنّ هذه العملية تبقى مفتوحة على احتمالين: إمّا أن تتحوّل إلى مسار تأسيسي يعيد صياغة المخيال السياسي العالمي، أو أن تبقى في حدودها الانفعالية من دون أن تنجح في إنتاج أفق تنظيمي أو نظري قادر على الديمومة.

وهنا تُقرأ تجربة ممداني الأب وممداني الابن كتمرين نموذجي لهذا التحول. فالأب، الذي شغل حيّزًا مهمًا في نقد الدولة ما بعد الاستعمارية وتفكيك ثنائية الضحية/الجلّاد وإعادة تعريف معنى الانتماء السياسي، منح جيل زد إطارًا نظريًا يُحرّر التفكير من مركزية الهوية والدولة معًا. هذه النظرية، التي تبدو للوهلة الأولى أكاديمية الطابع، وجدت في نشاط الابن (زهران ممداني، بصفته مشرّعًا محليًا وفاعلًا سياسيًا مؤثرًا بين أوساط الشباب في نيويورك) تجسيدًا ميدانيًا لقدرتها على العبور من التحليل إلى الممارسة.

لقد نجح زهران الابن في استخدام شبكات جيل زد ولغته الإيقاعية السريعة لتجسيد مقاربة أبيه على أرض الواقع: تفكيك حدود الهوية الضيقة في العمل العام، ربط العدالة الاجتماعية بإعادة توزيع السلطة لا بالشعارات الأخلاقية، وتفعيل السياسة بوصفها علاقة إنتاج جديدة بين الدولة والمجتمع، لا مجرد منافسة حزبية تقليدية.

بهذا المعنى، يصبح مشروعه نموذجًا عن قدرة هذا الجيل – متى وجد لغة تحليلية تستوعبه – على الانتقال من الاحتجاج إلى بناء سردية سياسية بديلة، ومن اللامركزية الرقمية إلى تأثير مؤسساتي واقعي.

هذه الديناميكية المزدوجة بين النظرية التي صاغها الأب والممارسة التي بلورها الابن تكشف أن جيل زد ليس مجرد حالة انفعالية، بل هو مختبر لتجريب أشكال جديدة من الفعل السياسي. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع هذا الجيل تحويل طاقته النقدية إلى رؤية قادرة على إعادة تصميم المجال العام؟ وهل يمكن لتجربة كالتي يُنتجها زهران (المبنية على وعي نظري عميق وإبداع عملي متصل بطبائع الجيل) أن تكون إرهاصًا عالميًا لولادة مخيال سياسي جديد؟

إنّ جيل زد إذ يفتح هذا الأفق، يظلّ عالقًا بين احتمالين: إمّا أن يُجسّد قوة تحوّل تاريخي، أو أن يظل طاقة احتجاجية كبرى لم تعثر بعد على بنيتها المؤسسية. وفي المسافة بين الاحتمالين يتقرر ما إذا كنّا نعيش بداية انتقال سياسي عالمي أم مجرد موجة كثيفة من عدم الرضا بلا مستقبل مُبلور.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان