ضمائر إسرائيلية تستيقظ لتنتحر!

لا شك أن ضررًا كبيرًا أصاب صورة إسرائيل في العالم، فقد تحولت من دولة يُنظر إليها باعتبارها واحة للديمقراطية، تحاول أن تعيش وسط محيط عربي متخلف يكرهها ويريد إلقاءها في البحر، إلى دولة تمتلك جيشًا من القتلة المحترفين ومجرمي الحرب والساسة الملاحقين بانتهاكات لحقوق الإنسان في فلسطين المحتلة. وقد كان لأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 الفضل الأكبر في تحول الصورة تدريجيًّا إلى النقيض عبر أثمان كثيرة دفعها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة خلال عامين كاملين من القصف المركز للبشر والحجر.
خلاف هنا وهناك
مهما يكن الخلاف حول صحة ما فعلته فصائل المقاومة الفلسطينية في ما عُرف بعملية «طوفان الأقصى»، فإن تبعات كثيرة ستظل تتفاعل –ربما لسنوات– نتيجة اجتياح رجال المقاومة للسياج الحدودي الفاصل بين قطاع غزة والكيان الصهيوني، والهجوم على المستوطنات الواقعة فيما يُعرف بغلاف غزة، واقتحام عدد من مقرات جيش الاحتلال، وقتل وإصابة المئات وأسر عشرات من الجنود والمدنيين الإسرائيليين.
ومن المؤكد أن تقييمنا لفعل المقاومة، وكذلك للرد الإسرائيلي العدواني وما خلفه من دمار هائل في غزة وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا بين شهيد وجريح ومفقود، سيظل محلًّا للنقاش، خاصة أن الحدث وتبعاته ألقيا بتداعيات كثيرة في الإقليم، خلفت ظلالًا قاتمة من اختلال التوازن الذي كان موجودًا بدرجة ما قبل أحداث السابع من أكتوبر.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وكما يوجد خلاف في المحيط العربي بين من يرون أن المقاومة لديها الحق في ما فعلته نتيجة لاستمرار الاحتلال وحصار غزة، ومن يرون أنها أدخلت القطاع المنكوب بتهور ودون تخطيط في حرب كارثية تسببت في تدمير غزة، فإن نقاشات أخرى تجري في الدولة العبرية بين من يرون أن ما حدث إخفاق كبير يجب أن تتحمله القيادة السياسية هناك لعدم وجود أفق واضح ومسار للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يضمن حفظ الأمن للدولة الواقعة تحت حكم اليمين المتطرف منذ سنوات، كما تتحمله القيادة العسكرية لعجزها عن توقع الهجوم الفلسطيني وإحباطه، وبين من يرون أنه تعبير عن «إرهاب منظم» يمارسه الشعب الفلسطيني الذي يجب أن يتحمل ثمن احتضانه لحركات المقاومة وعلى رأسها حركة حماس.
مأزق أخلاقي
وسط النقاش العالي النبرة هنا وهناك، فإن اتجاهًا خافت الصوت في إسرائيل يتحدث عن المأزق الأخلاقي الذي أصاب الكيان الذي أُقيم على أرض فلسطين التاريخية عام 1948، وعن صورة إسرائيل التي تضررت بشدة جراء استهداف المدنيين الواضح في عمليات الجيش الإسرائيلي.
وتعبّر صحيفة هآرتس عن هذا الاتجاه في أشكال تحريرية متعددة، وقبل أيام نشرت الصحيفة المعروفة بتوجهاتها اليسارية تحقيقًا استقصائيًّا عن ضابط وصفته بأنه ذو رتبة كبيرة، وكان من أمهر مشغلي الطائرات المسيّرة التي تستخدم في العمليات العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وقد انتحر قبل أشهر دون أن تسمح السلطات العسكرية بنشر اسمه أو الكشف عن هويته.
والتزامًا بالقانون الإسرائيلي المتشدد في مواجهة الكشف عن هويات الجنود والضباط المحظور نشر أسمائهم، فقد أعدت الصحيفة تحقيقها الاستقصائي عن الضابط المجهول في محاولة لكشف أسباب انتحاره عبر مقابلات مع زملائه ومن عرفوه وعملوا معه، لكنها عثرت خلال المقابلات على حالة أخرى لجندي شاب انتحر أيضًا خلال الأشهر السابقة وكان يعمل مشغلًا للمسيّرات، وقال أقرانه كلامًا مشابهًا لما نقلته الصحيفة عن رفاق الضابط الكبير وعن دوافع أخلاقية وراء انتحاره هو أيضًا.
لماذا انتحر؟
كشفت الصحيفة عبر شهادات أن ضابط الاحتياط الكبير الذي وصفته بأنه رفيع المستوى ومن أقدم وأبرز مشغلي الطائرات المسيّرة كان يعاني نفسيًّا بسبب الحرب، حيث نقل أحد زملائه عنه قوله: «إن الحرب يجب أن تتوقف، وإن عواقبها ستكون أبعد وأكثر مما نتصور»، كما نُقل عن زميله المنتحر أن المشاهد كانت تطارده، وأنه كان يتحدث بألم عن الأطفال القتلى من ضحايا العمليات التي يشارك فيها.
وفي محاولة للاقتراب من سبب إقدامه على الانتحار، قال أحد الذين خدموا إلى جانبه: «كان يحب الجيش والدولة حبًّا كبيرًا، لكنه لم يتحمل فظائع الحرب، الضغط، والموت الذي يحيط بكل شيء. رأيته يذبل شيئًا فشيئًا، يفقد توازنه، كأن الحياة كانت تتسرب منه».
يروي زميل الضابط الرفيع الذي أنهى حياته أنه كان مسؤولًا عن إقلاع الطائرات وهبوطها وليس تنفيذ الضربات نفسها، لكنه رغم ذلك رأى كل شيء، من فظائع القتل في الحرب واستهداف الأطفال والباحثين عن الطعام، وكان يدرك نتائج كل إقلاع، فأصبح الأمر ثقيلًا عليه، ومشاركته في هذا تترك ندوبًا في داخله.
ويكمل ملمحًا لأثر طول مدة الحرب: «كثيرون عندنا ينجحون في إنكار ما يرونه، لكن عنده الجدار انكسر. لم يحدث ذلك فجأة، بل تآكل ببطء، خطوة بعد خطوة».
الضابط الكبير المنتحر كان من الكفاءات، وتولى تدريب كثير من الجنود والضباط على تشغيل الطائرات المسيرة، وكان يحمل مسؤولية أبوية اتجاههم، وقد تأثر بشدة في فبراير/شباط الماضي بانتحار ملازم شاب من تلاميذه بطلق ناري في أحد قواعد سلاح الجو، بسبب تأنيب الضمير، ويكشف رفيق لكليهما: «انتحار الضابط الشاب حطمه، ومزق روحه».
الشهادات الصادمة
في بحثها عن أسباب انتحار الضابط الإسرائيلي الكبير ومن قبله الضابط الشاب، التقت الصحيفة بعدد من مشغلي المسيّرات، حيث كشفوا عن معلومات لم تكن معروفة أو متداولة بين الجمهور عن ظروف عملهم القاتلة.
أحد مشغلي المسيّرات خدم أكثر من خمسمائة يوم منذ بداية الحرب، ويعبر عن المعاناة نفسها: «يظن الناس أن عملنا يشبه لعب الـ«بلايستيشن»، لكنه أبعد ما يكون عن ذلك. صحيح أننا بعيدون جسديًّا عن ساحة القتال، لكن نفسيًّا نحن الأقرب إليها على الإطلاق. نحن نرى الضربات بوضوح يفوق التخيل، نسمع كل شيء عبر أجهزة الاتصال، وندرك تمامًا ما تعنيه كل ضغطة زر».
يقول آخر: «صحيح أننا لا نواجه خطر الموت المباشر، لكننا نملك القدرة على سلب الحياة في أي لحظة. وهذا لا يقل قسوة أو تعقيدًا. أحيانًا نُضطر إلى أن نلعب دور الإله، نقرر من يعيش ومن يموت».
ويعترف: «نحن مسؤولون عن مقتل آلاف، بعضهم أبرياء تمامًا.. هناك من بيننا من يعود إلى بيته وهو يعلم أنه قتل أطفالًا، أو أصاب جنودنا عن طريق الخطأ. هذه الندوب لا تلتئم، أنا واثق من ذلك».
تكمل الصحيفة تحقيقها الطويل عبر شهادات أخرى وتحليلات مختصين نفسيين، وعبر مقارنة دراسات أُجريت على مشغلي المسيّرات في الولايات المتحدة الأمريكية وفي إسرائيل، وتفصيل هذا سيكون في موضع لاحق، لكن الصحيفة نقلت اعتراف الجيش بأن الضابط الرفيع كان يتلقى علاجًا نفسيًّا في الأشهر التي سبقت انتحاره، وأن حالته كانت معروفة لدى المختصين في الجيش. ومع ذلك، لم يُبعده سلاح الجو عن مهامه، وواصل تكليفه بقيادة الطائرات المسيّرة.
الشاهد في هذا كله، أن جيش الاحتلال يستخدم في صفوفه مرضى نفسيًّا من ضباط وجنود، وأنه قد يستيقظ ضمير أحدهم من هول ما يشارك فيه، لكن هذا يقوده مباشرة للانتحار، وليس لرفض الخدمة أو الهروب منها، فهذا عار غير مسموح به في مجتمع تحكمه الصهيونية والتطرف الديني.
