الرسول وطلبه من قاتل حمزة: غيب عني وجهك!!

من الجوانب المهمة التي لم يلتفت لدراستها كثيرون من كتاب السيرة النبوية، هي الجانب النفسي للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- من حيث تعامله مع أعدائه السابقين، والذين آمنوا بعد ذلك. من هؤلاء: هند بنت عتبة، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهما، ولقد كان سلوك النبي -صلى الله عليه وسلم- مع جل هؤلاء السماحة والعفو والصفح، ولم يطلب من أحد منهم أن يغرب عن وجهه، إلا واحدا، ارتبط اسمه وفعله بمقتل صحابي من أهله، بل أخوه في الرضاع، وهو الحمزة، وقاتله: وحشي بن حرب.
فقد طلب النبي -صلى الله عليه وسلم- من وحشي أن يغيب عنه وجهه، وهو ما التزم به وحشي طوال حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والتساؤل المشروع هنا: لماذا طلب النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك من وحشي قاتل حمزة، ولم يطلبه من أي قاتل آخر لصحابته الكرام؟ ولم يطلب الطلب نفسه من هند بنت عتبة، وهي التي مثلت بجثة الحمزة، والقتل مؤلم بلا شك، لكن التمثيل أشد إيلاما، وأبقى للعداوة في النفس من القتل؟!
لم أجد من الكتاب من اهتم بهذا الجانب، أو أبرزه، إلا لفتات مهمة من بعضهم، غاصت في بطون الكتابات، وراحت بين سطورها التي كانت تهتم بالشخصية الأبرز في الحدث، وهو الحمزة -رضي الله عنه-، وموقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من تمثيل المشركين بجثته، وجثة آخرين، ومن الطبيعي أن يستحق حمزة -رضي الله عنه- هذا الاهتمام، لكن الزوايا الأخرى مهمة من حيث إكمال الحدث، وإكمال التأمل في زواياه المختلفة، والتي تعطي صورة كاملة عنه، أو قريبة من كماله.
وقد حاول بعض الكتاب دراسة نفسية وحشي، لكن أكثرهم إسهابا في ذلك هو الدكتور نجيب الكيلاني، فقد كتب كتابا كاملا عن وحشي، بعنوان: قاتل حمزة، وهي رواية طويلة تزيد عن 250 صفحة، صال الكيلاني فيها وجال في تصوير الواقع الاجتماعي الذي كان فيه وحشي في مكة، وكيف عامله القوم بعد مقتل الحمزة، فرغم أنهم أعتقوه مكافأة لذلك، إلا أنهم عاملوه كعبد رغم حريته، وحاول الكيلاني نقل كثير من المشاعر التي كانت تجيش في نفس وحشي، حتى أسلم، ثم بعد إسلامه.
سياق طلب النبي منه:
إن وحشي بعد مقتل الحمزة، وعتق سيده القرشي له مكافأة على ذلك، عاش في مكة، فلما جاء فتح مكة هرب إلى الطائف، يحكي وحشي عن قدومه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيقول: فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقيل له: إنه لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: فلما رآني، قال: ” آنت وحشي؟ ” قال: قلت: نعم، قال: “أنت قتلت حمزة؟” قال: قلت: قد كان من الأمر ما بلغك يا رسول الله، إذ قال: “ما تستطيع أن تغيب عني وجهك؟”، قال: فرجعت.
وفي كتب السيرة النبوية، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين رآه، طلب منه أن يحكي له كيف قتل الحمزة؟ فحكى له وحشي بأنه: خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق، يهد الناس بسيفه هدا، ما يقوم له شيء، فو الله إني لأتهيأ له، أريده وأستتر منه بشجرة أو حجر، ليدنو مني، إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال له: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور. قال: فضربه ضربة كأن ما أخطأ رأسه. قال وحشي: وهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها، دفعتها عليه، فوقعت في ثنته، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي، فغلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى العسكر، فقعدت فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، وإنما قتلته لأعتق.
لماذا غضب النبي من وحشي وطلب منه ذلك؟
من الكتاب القلائل الذين تناولوا التحليل النفسي لموقف وحشي، وطلب الرسول منه: الدكتور إبراهيم أبو الخشب، إذ يقول: (ومن هذه القصة يظهر لنا أن الرجل الذي يتمكن الشر من نفسه، ويتمكن الانحراف من طبعه، لا يلبث إذا خالطت الهداية قلبه، أن يكون صلبا في الحق، مؤمنا به، مستميتا فيه، مدافعا عنه، لا يتزحزح إلى غير جانبه، وفي حرص وحشي أن يرضي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن يزيل من نفسه ما كان عالقا بها من الكراهية له مع كونها كراهية صورية لا تتعلق بنقص في دينه، أو انحراف في عقيدته، وإنما هي بشرية في النبي -صلى الله عليه وسلم-، لم يستطع أن يكتمها، أو يتغلب عليها، دلالة على أن عقيدته راسخة، وإيمانه ثابت.
وربما كان وحشي نفسه أول المؤمنين بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقل له ذلك القول بخسا لإيمانه، أو نقصا في دينه، أو شكا في عقيدته، وإنما هو التصوير لكامن اللوعة التي كانت في نفسه -صلى الله عليه وسلم- من أجل فقد عمه الذي كان إلى جانبه يدافع عنه وينصره، وكان من حوله يملأ فراغ آلاف الرجال. ومثل حمزة بن عبد المطلب تظهر بموته الفجوة الواسعة، وحزن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هذا الحد ليس بعجيب ولا غريب.
وهذا الموقف الذي وقفه النبي -صلى الله عليه وسلم- من رجل هو صورة لألم عاناه، أو مصيبة قاساها، أو عدوان وقع عليه، ليس سوى معنى البشرية التي لم يتجرد عنها، والتي كان هو نفسه يعلنها في أكثر من مناسبة، والفرق بين بشريته -صلى الله عليه وسلم- وبشرية الناس أن بشريته لا تنزل به إلى مستوى مرذول، أو معنى حقير، أما أبناء آدم، وبنات حواء، فإن بشريتهم تنزل بهم إلى حيز الإسفاف، وتتعرض للنقد واللوم، أما هو -صلى الله عليه وسلم- فإن عصمته تصونه عن الصغائر، وتمنعه من النزول، وتصوره دائما أبدا في صورة الكمال).
ولكني أختلف مع الدكتور أبو الخشب في بعض تحليله، فإن وحشيا، يبدو من تصرفه أنه لم يكن الانحراف متمكنا من نفسه، بدليل أنه بعد قتل الحمزة، لم يستمر في المعركة، فلم يكن له سوى هدف واحد، وهو: حريته، وحريته رهنتها قريش بقتل الحمزة، وقد أخذ ما أراد، والشر الذي كان في وحشي، كان في طريقة قتله بالغدر، والقتل من الظهر، وليس من مواجهة شريفة مع الحمزة، وهو يعلم أنه دون ذلك بكثير، ولا يجرؤ عليها أو غيره.
لعل هذا هو الجانب الذي يمكن تناوله من سوء نفس وحشي، ولعل هذا الجانب أيضا هو ما هيج مشاعر النبي -صلى الله عليه وسلم-، إذ أعاد عليه تصور المشهد بشكل اجتمع على عمه الحمزة، وهو أخوه في الرضاعة كذلك، إذ يستأجر المشركون قاتلا أجيرا، ليس محاربا شريفا يواجه الخصم وجها لوجه، ثم رغم قتله غدرا من وحشي بالاختباء خلف صخرة، ومن ظهره، في مواجهة كانت مع محارب عنيد من كفار قريش، ثم محاولة الحمزة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة مواجهة قاتله، من الطبيعي أن الإنسان إذا تصور المشهد وقد غاب عنه حضوره، هيج المشاعر كأن قتله كان في تلك اللحظة.
لماذا لم يطلب من هند ما طلبه من وحشي؟!
وعلى الرغم من أن فعلة هند بنت عتبة أكبر في فعلة وحشي، فلم يطلب منها النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، وذلك أن هندا -رضي الله عنها-، جاءت في سياق حشد من النساء، وكن يبايعن على الإسلام، ولقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بهند سيكون من الأمور النادرة، في ظل مجتمع لا يحدث فيها اللقاء المتكرر، أو الدائم، بينما وحشي رجل، وهناك صلوات خمس، ولقاءات ستتكرر، وعندئذ ورد الأمر على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يغيب عنه وجهه.
طلب لا أمر ونبل أخلاق وحشي:
وغالب ظني كذلك أنه قرار بشري ابن وقته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو انفعال بما حكى الرجل، وهو ما يفسره أحاديث أخرى لصحابة آخرين، ورد منه -صلى الله عليه وسلم- أقوال تدل على غضبه، كقوله عن أحد الصحابة: لا أشبع الله له بطنا. ولذا بيّن -صلى الله عليه وسلم- أن مثل هذه العبارات التي تخرج منه في غضبه يجعلها الله -عز وجل- استغفارا للشخص. فطلبه من وحشي لم يكن أمرا منه -صلى الله عليه وسلم-، بل هو طلب بشري لا تشريعي، مراعاة لمشاعره آنذاك، وقد لبى وحشي هذا الطلب.
ولو أن وحشيا عاد بعد مدة قصيرة، فلقي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ما وجد في نفسه منه شيئا، لكن الرجل بنبل خلق، وبإيمان ملأ قلبه، أراد طاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، في أمر بشري، لا يتعلق بأمر تشريعي، وهذه لفتة أخرى مهمة في شخصية وحشي، لم يلتفت إليها الكثيرون. ولكن رغم أن وحشي قد لبى رغبة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه لم يره وجهه، وقد غيبه عنه، فقد غيبه عنه، دون أن يغيب عنه وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمن يبحث في الأحاديث النبوية سيجد ما رواه وحشي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من أحاديث، تدل على أنه حقق رغبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، دون أن يحرم هو من فضل رؤيته.
وزاد في ذلك الحب، أنه شعر بأنه كان سببا في حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فقد عمه الحبيب، فقد رد ذلك بأن خرج ليقتل مسيلمة الكذاب، وهو عدو لله ورسوله، فكما أحزن المسلمين بقتل الحمزة، فقد أسعدهم بقتل مسيلمة، وقد أراد بذلك تكفيرا لما فعل، رغم أن الإسلام يجب ما قبله.
