سلام بالإكراه: هل تُجبَر أوكرانيا على التخلي عن سيادتها؟

مع اقتراب عيد الشكر الذي حدده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهلة نهائية لقبول الخطة الأمريكية-الروسية المسرَّبة والمؤلفة من 28 بندا، تقف أوكرانيا أمام أحد أخطر المنعطفات في تاريخها الحديث. فبينما تُروَّج الخطة بوصفها مخرجا دبلوماسيا لإنهاء الحرب، تكشف بنودها المتداولة عن تسوية قاسية قد تجبر كييف على التنازل عن أجزاء من سيادتها مقابل وعود بضمانات سياسية وأمنية مستقبلية. ورغم غياب إعلان رسمي كامل عن محتوى الوثيقة، فإن ما ظهر منها يكفي لرسم صورة عن حجم الضغوط التي تواجهها أوكرانيا اليوم.
ما تتضمنه الخطة المسرَّبة والحرب المستمرة
تستند التفاصيل المسرَّبة، بحسب موقع “أكسيوس” الأمريكي ووسائل إعلام غربية أخرى، إلى أن الخطة تنص على الاعتراف الفعلي بالسيطرة الروسية على شبه جزيرة القرم وأجزاء من منطقتي لوغانسك ودونيتسك في إقليم دونباس شرقي أوكرانيا. ويُعَد هذا البند أخطر عناصر التسوية المقترحة، إذ يعيد ترسيم الحدود وفق الأمر الواقع العسكري الذي فرضته روسيا منذ 2014، واستُكمل بالغزو الشامل عام 2022.
وتتضمن البنود أيضا قيودا مشددة على الجيش الأوكراني، منها تقييد عدد القوات بنحو 600 ألف جندي، ومنع كييف من امتلاك أو تطوير أسلحة قادرة على ضرب أهداف بعيدة داخل الأراضي الروسية. كما تتضمن بندا يحظر انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) مستقبلا، ويُلزم الدول الأعضاء بعدم نشر قواعد أو قوات غربية على أراضيها، مما يعني تجميد المسار الدفاعي الغربي لكييف وإبقاءه في مستوى محدود لا يسمح بتحولها إلى قوة ردع حقيقية.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ولا تقتصر الخطة على الأبعاد العسكرية والسياسية، بل تمتد إلى الجوانب الثقافية والدينية. إذ تتحدث التسريبات عن منح اللغة الروسية وضعا رسميا داخل الدولة، وتعزيز مكانة الكنيسة الأرثوذكسية، وهي بنود قد تعيد تشكيل الهوية الوطنية الأوكرانية من الداخل. ورغم أن هذه البنود ما زالت ضمن تسريبات غير مؤكدة رسميا، فإن الضغط الزمني الأمريكي يجعلها أقرب إلى إطار تفاوضي قيد التحضير، وليست مجرد أفكار قابلة للنقاش.
وقد يؤدي تطبيق هذه البنود إلى وضع أوكرانيا أمام عوائق استراتيجية جديدة، تشمل تحديات في إعادة تنظيم القوات، وضبط الحدود، وإدارة موارد البلاد المحدودة في ظل القيود المفروضة.
في الوقت نفسه، تركت الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين أوكرانيا في حالة إنهاك شديد. فقد أدى القصف الروسي المتكرر للبنية التحتية للطاقة والهجمات الجوية على العاصمة كييف ومدن صناعية أخرى إلى تدمير محطات توليد الكهرباء وشبكاتها، مما تسبب في شح الوقود وارتفاع حاد في أسعار المواد الأساسية. وأصبح تأمين الطعام والدواء والتدفئة تحديا يوميا لملايين المدنيين، في حين تقلصت قدرة الجيش الأوكراني على المناورة، وتزايد القلق الشعبي من احتمال فرض اتفاق لا يعكس تضحيات الشعب خلال الحرب.
ومع انشغال أوروبا بأزماتها الداخلية، بما يشمل الضغوط الاقتصادية، وارتفاع أسعار الطاقة، والانقسامات السياسية بشأن الدعم العسكري لأوكرانيا، يزداد اعتماد كييف على الدعم الأمريكي، مما يجعل كل قرار سياسي أو عسكري محفوفا بالأخطار، ويضع مستقبل البلاد تحت تأثير مباشر للضغوط الخارجية التي قد تحدد مسارها على المدى القريب والبعيد.
خطاب في لحظة مفصلية
في خطاب متلفز يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني، شدَّد الرئيس فولوديمير زيلينسكي على أن بلاده تمر بـ”أحد أصعب اللحظات في تاريخها”، في إشارة مباشرة إلى أجواء التسريبات. وقال إن “الضغط على أوكرانيا في الوقت الراهن بلغ أشده، إذ تجد البلاد نفسها أمام خيار بالغ الصعوبة: إما التضحية بالكرامة الوطنية، أو المجازفة بفقدان شريك رئيسي”.
وأوضح ضمنيا أن أي رفض للخطة قد يؤدي إلى تذبذب الدعم الأمريكي، وهو ما يزيد من صعوبة الموازنة بين الحفاظ على السيادة وضمان استمرار الدعم الغربي. وأكد أنه سيتقدم بـ”بدائل” لبعض البنود التي تمس السيادة الأوكرانية، مشيرا إلى أنه لن يقبل بأي اتفاق ينتقص من حقوق بلاده، لكنه في الوقت نفسه حرص على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع واشنطن. ويبدو خطابه محاولة للموازنة بين تثبيت خطوط حُمر سياسية، وتجنب الدخول في مواجهة دبلوماسية، خصوصا في ظل تعقيدات الحرب وتأثيرها في السياسات الداخلية للولايات المتحدة.
بين الحرب والتسوية
مع اقتراب انتهاء المهلة الأمريكية، يظل مستقبل أوكرانيا معلَّقا بين حرب مستمرة تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية، وخطة سلام مسرَّبة قد تفرض أثمانا سياسية وجغرافية غير مسبوقة. وبين خيارات صعبة، يتعيَّن على كييف أن توازن بين الحفاظ على سيادتها والضغوط الدولية التي قد تحوّل التسريبات إلى واقع عملي قبل طرحها رسميا.
ومع غياب ضمانات واضحة من المجتمع الدولي، وتراجع قدرتها على الصمود طويلا من دون دعم خارجي، يمثل الشتاء القادم اختبارا حاسما لقدرة أوكرانيا على الصمود. ستكون التداعيات على الحدود، والقدرة الدفاعية، والاقتصاد الداخلي، ومستوى التعاون مع الحلفاء عوامل تحدد شكل أوكرانيا في السنوات المقبلة، وما إذا كان مستقبلها السياسي والجغرافي سيبقى مستقلا أم مقيَّدا.
