من ينسى تاتشر.. من يلعن حسينة؟!

مظاهرة أمام منزل والد الشيخة حسينة واجد في بنغلاديش

في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1990، غادرت رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر مقر الحكومة بعد 11 عامًا و209 أيام قضتها في السلطة، لتسجل في التاريخ البريطاني أنها أول امرأة تتولى قيادة الحكومة، وأنها تحتل الرقم الخامس بين أطول فترات رئاسة الوزارة بين عشرات الشخصيات التي تولت هذا المنصب، غير رئيس الوزراء الحالي، طوال نحو 304 أعوام.

وفي 17 نوفمبر 2025، أصدرت محكمة في بنغلاديش حكمًا غيابيًّا بإعدام رئيسة الوزراء السابقة حسينة واجد، التي فرت إلى الهند في 5 أغسطس/آب 2024 تحت ضغط انتفاضة شعبية هائلة، بعد 20 عامًا و234 يومًا في رئاسة الحكومة على فترتين، وهي ثاني امرأة تتولى هذا المنصب بعد غريمتها خالدة ضياء.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

المحكمة أدانتها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة العام الماضي، التي قُتل فيها نحو 1400 متظاهر، حسب تقرير أممي.

ماذا يعني هذا التزامن وذلك الاستدعاء لشخصيتين نسائيتين حكمتا بلديهما لسنوات، وتركتا أثرًا كبيرًا، رغم أن الأولى رحلت عن عالمنا قبل 12 عامًا، بينما الثانية تعيش في منفاها بالهند؟

التزامن يعني أن للحكم تكاليف صعبة، بل مرهقة ومعقدة. فهو ليس نزهة، ولا كرسي سلطة يرتبط بإصدار قرارات، وطائرات رئاسية، وزيارات هنا وهناك لبلدان في العالم، وحراسات ومواكب صاخبة وامتيازات وأضواء.

ديمقراطيات جادة وأخرى مزيفة

في الديمقراطيات الجادة فإن الحكم فيها هدفه خدمة الشعوب، ولهذا فإن مظاهر وأبهة الحكم ومغرياته ليست قائمة كما هو الوضع في الديمقراطيات المزيفة، حتى لو كانت انتخاباتها التي تقود إلى السلطة سليمة من الناحية الإجرائية. فالإجراءات ليست الأساس، إنما الجوهر، وهو قيم الديمقراطية الجادة في الحرية والنزاهة والشفافية والعدالة والحياد والقبول بالنتائج وإيمان أجهزة الدولة بها، وعدم التململ من نتائجها أو الانقلاب عليها، والعمل مع الحاكم المنتخب أو الحكومة التي اختارها الشعب، ما دام هناك التزام بالدستور ودولة القانون.

نعم، خرجت تاتشر من الحكم وهي باكية، فالمرأة الحديدية، التي كان هذا الوصف لائقًا بها في إدارتها للحكومة في بلد قديم وعريق وصاحب نفوذ عالمي طاغٍ، لم تعاند حزبها، ولم تصر على البقاء مهما كان الثمن، فقد استسلمت عندما وجدت أن أغلبية النواب لم تعد ترغب في بقائها على رأس حزب المحافظين، ومن ثَم قيادة الحكومة.

تمامًا كما فعلت العظيمة أنجيلا ميركل التي عززت اقتصاد ألمانيا، وجعلت بلدها الرقم واحد في أوروبا، والاقتصاد الرابع عالميًّا، وهذا البلد متعثر اقتصاديًّا اليوم. وقد استسلمت أيضًا لمّا وجدت تململًا داخل حزبها وشيوع الرغبة في التغيير وفقًا لمنطق الديمقراطية في عدم البقاء في المنصب طويلًا مهما كانت الإنجازات، فغادرت دار المستشارية بعد 16 عامًا من الحكم، لكنها تظل صاحبة تاريخ رائع وجديرة بأن يناديها الجميع “ماما ميركل”.

في كل بلد ديمقراطي جاد ستجد نماذج باهرة لخروج قادة وحكومات من السلطة سلمًا، دون معاندة أو تشبث بالكراسي المغرية على البقاء والصدام، أو أخذ بلدانهم إلى التأزيم والصراعات والمجهول.

وعمومًا، فإن الديمقراطية وتداول السلطة بشكل سياسي انتخابي سلمي يحولان دون حدوث أي أزمات حكم. حتى في إسرائيل المعتدية، فإن الأزمات السياسية عندما تستحكم داخل ائتلافات الحكم أو بين الحكومة والمعارضة، فإنهم يلجؤون إلى الخيار الآمن، وهو حل الكنيست (البرلمان)، والذهاب إلى الانتخابات العامة، أي اللجوء إلى الشعب لحسم الاختيار بين من يعود إلى الحكم ومن يبقى في المعارضة.

قناع ديمقراطي زائف

في بنغلاديش، وهي من الديمقراطيات الناشئة، لم تكن حسينة واجد مخلصة لمعنى الديمقراطية الحقيقية. والاتهامات كانت تلاحقها بالتدخل في الانتخابات، وممارسة الضغوط والتزوير، وتجيير مؤسسات الدولة لصالح بقائها في الحكم، واعتقال المعارضين، والتصفيات خارج القانون، والاختفاء القسري، رغم أنها حققت طفرة اقتصادية تُحسب لها.

وهي الأساليب نفسها للحكم في بلدان العالم المتخلف ديمقراطيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وتنمويًّا، حيث حكم الفرد المستبد بقناع ديمقراطي زائف، أو “مكياج” سياسي فج مكشوف من الاستفراد بالسلطة، وممارسة الديكتاتورية في إدارة الدولة بعصا الأمن الغليظة للبقاء في الحكم، والخروج منه لا يكون إلا بالموت أو بالثورة، وتكاليف الثورات باهظة في الدمار والدماء التي يسفكها الديكتاتور للحفاظ على نفسه وكرسيه بأي ثمن. وتجربة الربيع العربي في موجتيه الأولى والثانية أبلغ بيان عملي على عنف المستبد الشديد القسوة وغلظته ودمويته، ولدينا سوريا نموذجًا مريعًا.

خيانة الديمقراطية

الشيخة حسينة هربت بعد أن أزهقت أرواحًا وأسالت دماء، وتخلت عنها أجهزة الأمن ومؤسسة الجيش. وبغير ذلك كانت ستظل في السلطة تنكّل بشعبها. وهذا البلد مثل غيره في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية قبل تعافيها، يعاني تدخل الجيوش في الحكم، والانقلابات، وإقالة حكومات وتنصيب أخرى.

وإذا طُبقت الديمقراطية بعض الوقت، فإن دعاة الديمقراطية الذين كانوا يرفعون شعاراتها وهم في المعارضة، أو وهم يواجهون حكومات أمنية صريحة أو مدعومة أمنيًّا، يقومون بخيانتها. وهذه آفة قد تستعصي على الفهم في عالم الجنوب، عندما يصير أنصار الديمقراطية مخلب قط لنهشها، عندما تظهر تباشيرها في بعض البلدان، كما حصل في الربيع العربي المغدور أولًا بأيدي أبنائه ودعاته ومحركيه.

تاتشر كانت نموذجًا للحاكم في الديمقراطيات العتيدة، وحسينة مثالًا للحاكم في الديمقراطيات الشكلية.

ولهذا فإن الفارق شاسع في القوة والنفوذ والتأثير والتطور والتحضر، وفي كل أشكال وأوجه المقارنة بين بريطانيا الدولة التي تنتمي إلى العالم النافذ، وبنغلاديش التي تندرج في قائمة البلدان الفقيرة المتخلفة.

وإذا كانت بنغلاديش دولة حديثة النشأة وعمرها 54 عامًا فقط، في حين أن بريطانيا دولة قديمة، فإن هناك دولًا أقدم من بريطانيا وصاحبة حضارة أكثر عراقة منها. ومع هذا، فالمسافة بينهما شاسعة في الديمقراطية والحريات والحقوق والحكم الرشيد والتنمية والتحضر والتقدم. والمثال هنا بلدان المنطقة العربية التي يتجذر الاستبداد فيها، ويقاوم أي إصلاحات أو تحولات ديمقراطية حقيقية.

لا أحد ينسى تاتشر مهما غابت، رغم قسوتها في الحكم الديمقراطي. ولعنات البنغاليين تلاحق حسينة القاسية أيضًا، لكن في الاستفراد بالسلطة، وطعن الديمقراطية الناشئة في بلادها، مع أنها ناضلت يومًا لأجل تحقيقها.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان