ما دلالات ورسائل اغتيال الرجل الغامض في حزب الله؟

في تصعيد عسكري هو الأخطر منذ عام، استهدفت إسرائيل الرجل الثاني في حزب الله، ورئيس أركان جناحه العسكري، الجنرال هيثم علي الطبطبائي المعروف باسم “أبو علي” الطبطبائي. اغتالته بغارة جوية على منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية بالعاصمة اللبنانية بيروت، التي تُعد أحد أهم معاقل حزب الله. وأكد مسؤولون أمريكيون أن بلادهم على علم بعملية الاغتيال.
الطبطبائي (57 عاما)، وُلد لأب إيراني وأم لبنانية، وهو على علاقة جيدة بالحرس الثوري الإيراني. وسبق للولايات المتحدة الأمريكية تصنيفه عام 2016 بأنه “إرهابي عالمي”. ولاحقا، عام 2020، أعلنت عن رصد خمسة ملايين دولار للإرشاد عنه والقبض عليه، لاتهامه بقيادة قوات حزب الله في كل من سوريا واليمن، وتوفير التدريب والعتاد والجنود لدعم أنشطة الحزب الإقليمية.
وقال عنه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه: “قاد تعزيز وتسليح المنظمة – حزب الله”. ونعاه الحزب رسميا بأنه من القادة الكبار الذين وضعوا الحجر الأساسي لتبقى المقاومة مقتدرة قوية عزيزة، تصون الوطن وتصنع الانتصارات.
خرق أمني جديد لحزب الله له ما بعده
ما هي الرسائل والدلالات التي يحملها اغتيال القائد العسكري الأول في حزب الله؟
الجنرال أبو علي الطبطبائي تولى قيادة الجناح العسكري خلفًا للقائد فؤاد شكر الذي اغتالته إسرائيل (30/7/2024) في “حارة حريك”. ويُعد من أكثر قياديي حزب الله غموضًا ونفوذًا، وهو التالي مباشرة في الترتيب الهرمي لقيادة الحزب بعد الأمين العام الشيخ نعيم قاسم. واغتياله يؤشر على اختراقٍ أمني جديد للحزب له ما بعده، استهدافًا لقيادات أخرى ما لم يتم تدارك الأمر.
فهذا الاستهداف للطبطبائي بمثابة الضربة الأقوى للحزب منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (27/11/2024م)، لإنهاء الحرب الشاملة التي شنتها إسرائيل على لبنان (بدءًا من 1/10/2024)، والتي أسفرت عن استشهاد 3768 شخصًا، وجرح 15 ألفًا و699 آخرين، وتدمير مناطق لبنانية عديدة.
والاتفاق يوصف بأنه “هشّ”، إذ ينص على انسحاب حزب الله من جنوب نهر الليطاني إلى ما وراءه، وهو ما تم تنفيذه فعليًّا، إلا أن إسرائيل لم تنسحب –حسبما ينص الاتفاق– من خمس نقاط حدودية احتلتها في الجنوب خلال الحرب. ومنذ سريان وقف إطلاق النار، انتهكته إسرائيل عشرة آلاف مرة، خرقًا للأراضي اللبنانية جوًّا وبرًّا، بحسب إعلان صدر (الخميس الماضي) عن قوات الأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل). ولم يكن هناك أي رد لبناني على هذه الخروقات.
معضلة نزع سلاح حزب الله
رغم هذا الكم الهائل من الخروقات التي استشهد خلالها نحو 330 من عناصر حزب الله، فإسرائيل ذهبت إلى التهديد المستمر خلال الأشهر الأربعة الماضية باستئناف الحرب على لبنان والقيام بنزع سلاح الحزب بنفسها ما لم يقم الجيش اللبناني بهذه المهمة، وحصر السلاح بيده فقط دون الحزب.
وسبق للحكومة اللبنانية اتخاذ قرار بحصر السلاح بيد القوى الأمنية (5/8/2025)، بينما أعلن الحزب أنه لن يتنازل مطلقًا عن سلاحه، واصفًا قرار الحكومة بأنه “خطيئة”. لتتحول القضية إلى معضلة بلا حل.
إسرائيل غالبًا سوف تواصل العدوان على لبنان والاغتيالات، ما دام تصل إليها معلومات عن قيادات أمنية للحزب يمكن استهدافها وتصفيتها لمنع الحزب من استعادة عافيته العسكرية. كما يبعث الكيان الصهيوني من خلال هذه الممارسات إلى الحكومة اللبنانية وحزب الله رسالة مفادها: “أنه لا سبيل أمامكما سوى نزع سلاح الحزب… أو البقاء تحت النار”.
إسناد غزة وموقعة البيجر
ليس من المتوقع أن يرد الحزب عسكريًّا على عملية اغتيال الجنرال أبو علي الطبطبائي. فقد سبق أن تعهّد قبل عام، منذ اتفاق وقف إطلاق النار، بأنه يترك قرار الحرب أو السلم للدولة اللبنانية. وبالتالي، فقد لا يكون له رد باتجاه الكيان وفاءً بهذا التعهّد، وحتى لا يعطي إسرائيل المبرر لمعاودة الحرب على لبنان. كما أن الحزب ربما لا يكون في جاهزية لحرب جديدة.
فقد سبق أن بدأ حرب الإسناد (8/10/2023) دعمًا للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وألزم نفسه بقواعد اشتباك محددة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، بعدما شنت إسرائيل حرب الإبادة على القطاع عقب عملية “طوفان الأقصى”. إلا أن حرب الإسناد تدحرجت إلى حرب شاملة على لبنان بعدما نجحت إسرائيل في إنجاز اختراقات أمنية كبيرة وخطيرة للحزب. حيث نفذت (يومي 17 و18 /9/ 2024) “موقعة البيجر”، بتفجير متزامن للآلاف من أجهزة الاتصال اللاسلكية التي يستخدمها عناصر الحزب، وهو ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى في مناطق متفرقة من لبنان، وإصابة 3400 آخرين.
ثم توالت عمليات اغتيال إسرائيلية بالطيران الحربي، لعشرات القياديين العسكريين للحزب وبعض الساسة، وهو ما قطع بانكشاف واختراق أمني إسرائيلي واسع النطاق طال الصفوف الأولى للحزب. وبلغ الاختراق ذروته باغتيال الأمين العام للحزب الشيخ حسن نصر الله (27/9/2024) في حارة حريك، بواسطة سلاح الجو الإسرائيلي، باستخدام ثماني مقاتلات (F-16) ألقت على مقره تحت الأرض 83 قنبلة خارقة للتحصينات تزن ألفي رطل، وكذا اغتيال خليفته ونائبه السابق هاشم صفي الدين (3/10/2024) وعدد من القادة العسكريين.
الكيان الصهيوني ليس في وارد التوقف عن ممارساته العدوانية في سوريا ولبنان وغزة ما دام يشعر بالضعف والهوان العربي. فهو يسعى لفرض الهيمنة التامة على المنطقة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
نسأل الله السلامة للبنان وبلادنا العربية.
