«الجريح النفسي».. مصطلح جديد في الجيش الإسرائيلي!

هل يمكن اعتبار الاضطراب النفسي بسبب العمليات العسكرية «إصابة حرب»؟ وهل يمكن اعتبار من يعانون اضطرابات نفسية بعد التحاقهم بالخدمة العسكرية جرحى حرب يمكنهم الحصول على تعويضات أو دعم جراء معاناتهم من أهوال الحرب؟
هذا النقاش يدور في الصحافة الإسرائيلية بين المختصين بعد أن هدأت وتيرة الحرب على قطاع غزة وانخفضت أصوات القصف، وبعد أن أدت الإصابات النفسية في جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى حالات انتحار، وسط تحذيرات من ارتفاع ملحوظ في معدل الاضطرابات النفسية بين الجنود والضباط.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 2 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 3 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 4 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
وهناك أسئلة تقفز إلى السطح حول هذا الموضوع، مثل: ما الذي يجعل ضابطًا يعمل في أطقم تشغيل وتوجيه الطائرات المسيّرة في جيش الاحتلال الإسرائيلي يصل إلى مرحلة الانتحار بعد أشهر طويلة من المشاركة في العدوان الهمجي على قطاع غزة؟ ولماذا ظهرت تأثيرات التعرض لمشاهد القتل والدماء والهدم والدمار فيما نُقِل عن ضابطين قبل انتحارهما؟ وهل هناك فرق بين ضباط المسيّرات في الكيان الصهيوني وبين نظرائهم في جيش آخر؟
صحيفة هآرتس، المعروفة بدعمها لليسار في إسرائيل وانتقاداتها لحكومة اليمين المتطرف التي يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كثفت هجومها على سياسات الحكومة الإسرائيلية خلال تغطية الحرب التي يشنها جيش الكيان الصهيوني على قطاع غزة المنكوب منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023؛ حيث انتقدت في مجمل تغطياتها الإفراط في استخدام القوة من ناحية الجيش الإسرائيلي، وكذلك استهداف المدنيين وعدم منح الأسرى الفلسطينيين حقوقهم، وعدم وجود خريطة طريق لحل القضية الفلسطينية بشكل نهائي يضمن أمن إسرائيل وحصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة. كما فتحت صفحاتها لكشف التأثيرات السلبية للحرب في إسرائيل من مختلف النواحي: من الاقتصاد إلى العلاقات الدولية، ومن صورة إسرائيل حول العالم إلى الاضطرابات النفسية بين أفراد الجيش الإسرائيلي.
تحقيق استقصائي
ضمن تغطياتها المناهضة للحرب، كشفت هآرتس في تحقيق استقصائي أن ضابطين من المسؤولين عن تشغيل الطائرات المسيّرة في الجيش الإسرائيلي أقدما على الانتحار، بفارق زمني بلغ عدة أشهر. وقد وثَّقت الصحيفة في التحقيق الذي نشرته خلال نوفمبر/تشرين الثاني الجاري عدة شهادات حول الأسباب التي أدت إلى انتحار الضابطين اللذين يعملان في وحدة مشتركة بجيش الاحتلال الإسرائيلي، مسؤولة عن تشغيل الطائرات المسيّرة. ونقلت الصحيفة آراء مختصين في الطب النفسي حول الاضطرابات النفسية والانتحار في الجيش الإسرائيلي.
وهناك عدة ملاحظات لافتة يمكن استخلاصها من شهادات رفاق الضابطين المنتحرين اللذين لم تنشر الصحيفة اسميهما:
أولًا: أن هناك فارقًا عمريًّا ملحوظًا بين الضابطين، فأحدهما ذو رتبة رفيعة وصاحب خبرة طويلة وفق وصف هآرتس، والآخر ضابط شاب لم يتعرض كثيرًا لظروف الحرب.
ثانيًا: الضابطان بينهما صلة ومعرفة سابقة، إذ تتلمذ الشاب على يد المشغّل الأقدم في الجيش، الذي تولى تدريب عشرات من ضباط وجنود الاحتياط في جيش الاحتلال الإسرائيلي.
ثالثًا: حادث انتحار الضابط الشاب وقع أولًا، ووفق تفسيرات لأقرانه فإنه لم يتحمل الضغوط وتأنيب الضمير، وفضّل أن يتخلص من العبء الأخلاقي لاستمرار الحرب.
رابعًا: إن انتحار الضابط الشاب أثّر في معلمه، وكان أحد أسباب تقريب فكرة الموت لذهنه؛ حيث يقول أحد أصدقاء الضابط الكبير: «ذلك الموت حطمه، مزق روحه»، ويفسر: «كان قد درب كثيرين، وكان يحمل مسؤولية أبوية اتجاههم، ويشعر بأنهم جميعًا أبناؤه».
هل هناك فرق؟
مشغلو الطائرات الذين تُتاح لهم مشاهدة عن بُعد لساحات المعارك والاشتباك، ربما يكونون أكثر عرضة للاضطرابات النفسية، وفق ما كشفته نتائج دراسات أُجريت في الولايات المتحدة خلال العقدين الأخيرين على مشغلي الطائرات المسيّرة الذين تولوا تنفيذ هجمات الجيش الأمريكي في أفغانستان واليمن وباكستان، فقد كشفت الدراسة التي نقلتها هآرتس أن كثيرين منهم أبلغوا عن معاناة نفسية حادة وأعراض اكتئاب وقلق واضطراب ما بعد الصدمة.
المدهش أن هذه النتائج لم تكن تنطبق على مشغلي المسيّرات في جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ فقد أُجريت دراسة في سلاح الطيران الإسرائيلي عام 2017، وشملت 41 من مشغلي الطائرات المسيّرة شاركوا في عملية العدوان على غزة عام 2014، التي عُرفت باسم «الجرف الصامد»، حيث أظهرت النتائج عدم رصد أي حالة بين مفردات الدراسة ممن يعانون اكتئابًا أو قلقًا أو اضطرابًا نفسيًّا.
حرب مختلفة
الخبراء الإسرائيليون يؤكدون أن الحرب الأخيرة تختلف عن كل ما سبقها من حيث طول المدة التي زادت على سنتين، مقارنة بعملية «الجرف الصامد» التي استمرت نحو خمسين يومًا بين يوليو/تموز وأغسطس/آب 2014. كما أنها تختلف كليًّا من حيث ضخامة واتساع مساحة الدمار وتنوع عمليات القتل وعدد الضحايا بين الفلسطينيين، وهو ما قد يؤدي إلى إصابات نفسية عميقة في صفوف مشغلي المسيّرات الإسرائيليين. حيث كشفت هآرتس معلومات عن ثلاثة من مشغلي المسيّرات الإسرائيليين، أعمارهم في الثلاثينيات، ويعانون اضطرابات نفسية بعد أشهر طويلة قضوها في الخدمة الاحتياطية خلال الحرب على غزة، وقد توجه اثنان منهم إلى وزارة الدفاع للحصول على اعتراف بهما ضمن جرحى الحرب، وقد أُدرجا بالفعل رسميًّا في قوائم المصابين، كما بدأ الجيش الإسرائيلي في إجراء بحث جديد حول التأثيرات النفسية للحرب الأخيرة بين مشغلي المسيّرات، وقد تشهد الأيام القادمة مزيدًا من الاعتراف بمن يمكن تسميتهم «الجرحى النفسيين».
مصابون أكثر
يقول البروفيسور يوسي ليفي بليز، رئيس مركز أبحاث الانتحار والألم النفسي في جامعة حيفا، إن مشغلي الطائرات المسيّرة كانوا في طليعة الهجوم الإسرائيلي، وهم على الأرجح القوة التي تسببت في أكبر عدد من القتلى بين الفلسطينيين، ويتوقع أن تظهر مع الوقت حالات مرضية أخرى: «سيكون لدينا في هذه البلاد كثير من الناس المصابين بجروح أخلاقية، لا شك في ذلك».
ولا يتسع المجال هنا لرصد شهادات مشغلي المسيّرات الإسرائيليين، لكن البروفيسور إيال فروختر، رئيس المجلس الوطني لشؤون ما بعد الصدمة، يشرح أن الضباط والجنود بدؤوا يستوعبون ما فعلوه من قتل ودمار، وربما كانت أفعالهم مبررة في خضم المعركة، لكن بعد أن تهدأ الحرب تبدو الأمور مختلفة تمامًا. وقال فروختر: «هذا الإحساس سيتسرب إلى كثيرين بقوة كبيرة، أنا واثق من ذلك».
