تجليات الإرهاب عند الرئيس السوري

كارهو الرئيس ليسوا فئة متناغمة، أو جماعة تنضوي تحت حزب معارض واضح الرؤية والأهداف. إنهم شتات متقلّب ومتلون من أطياف المجتمع السوري، بعضهم لا يريد الخير لسوريا، ويسعى فقط من أجل استعادة حكم الأسرة الفاسدة من النظام السابق بنَفَسٍ طائفي بحت، والفريق الثاني تعميه أطماعه بالحكم لدرجة طلب الحماية من إسرائيل لتحتل سوريا، وتمكّنه من حكمها، أو في أضعف الأحوال تضم مناطقه إليها.
لا مانع لدى السوريين «الكيوت» الذين يخافون أن يتهموا بالطائفية والتجرّد من الإنسانية، لا مانع لديهم من أن يطيح أيّ فريق بالرئيس الشرع ويقضي عليه؛ كي يحافظوا على مبادئهم ومياه وجوههم، ويثبتوا أنّهم سوريون لا طائفيون.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 2 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 3 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 4 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
وهؤلاء معظمهم من الذين يدّعون الثقافة، ويحملون راية الفكر اليساري، ويعيشون في بلاد الشتات الأوروبية والأميركية، حيث يقدّمون من وراء الشاشات من غرفهم الصغيرة الدافئة نظريات للشعب المسحوق الذي يسعى ليتنفّس حريته بعد أربعة عشر عامًا من القتل والدمار والتشريد، ويطالبونه بأن يتبنّى فكرهم الذي يعتقدون بأنه المثالي والعملي، والمنقذ من كلّ المشاكل الموجودة على الساحة السورية، والعقبة الأولى هي الإطاحة «بالإرهابي» الذي جاء من خلفية دينية، وتسلّم حكم سوريا ليعيدها سنوات إلى الخلف بالتجهيل والتطرف!
لقد اعتاد هؤلاء على اجترار الشكوى والمظلومية لإقناع العالم بأحقيتهم في تسلّم زمام الحكم في سوريا.
هؤلاء بدؤوا يتآكلون من داخِلهم بسبب الضربات المتلاحقة التي يسددها الرئيس في سياسته الخارجية، لكنهم ما زالوا يجدون العثرات في السياسة الداخلية التي يطالبونه فيها ببناء سوريا وازدهارها خلال أشهر قليلة، ويراهنون على فشله في حلّ القضايا المتعلقة بالاقتصاد، وإعادة الإعمار، وانتشال الناس من الفقر والحاجة، وتحسين ظروف التعليم، وحلّ المشاكل السياسيّة الداخلية.
الإرهابي الجنتلمان!
الصورة الأخيرة التي ظهر فيها الرئيس الشرع وهو يُبعِد كرسيًّا لزوجته؛ كي تجلس حسب «الإتيكيت» أثارت ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي بين عموم الشعب السوري، وكُتبت عنها عدة مقالات في صحف أجنبية.
الطريف أن من صنع «الترند» هم مؤيدو الشرع هذه المرّة، وامتنع الأعداء من التعليق أو تداول الصورة، بل لزموا الصمت وأغلقوا أعينهم وهم يشعرون بأن الرئيس هذه المرة سدّد طعنة نجلاء إلى أفكارهم وتصوراتهم عن «الإرهابي الأول» الذي يريدون الإطاحة به.
لم تكن المرّة الأولى التي يعلّق فيها السوريون على صورة من هذا النوع للرئيس السوري، فقد سبقها فيديو قصير منذ أشهر يظهره في الحديقة ويده تلامس يد زوجته أثناء المشي، والناس يتجمّعون حولهما، بالإضافة إلى تعامله معها أثناء حفل تخرجها من كلية الآداب في جامعة إدلب.
لكن هذه المرة كانت الحركة مدروسة إلى درجة أخرست حتى «النسويات» السوريات!
وأنا على يقين أن تصرفه هذا يوحي تمامًا بأن الرجل لا يتعمّد إدهاشنا فقط، بل يرسّخ في أذهاننا أنه رجل لا يمت بصلة إلى أفكارنا السابقة عنه، وأنه يعرف ما يريد بدقة، وقادر على تنفيذه، وأن رسائله المتكررة والمسرّبة إلينا ليست تصرفات اعتباطية، بل هي كاشفة وموحية بشخصيته وطريقة تفكيره، ومنبئة عن خطواته المدروسة القادمة.
الحرية أولًا
ترك الرئيس الشرع الناس يعبرون عن آرائهم بمنتهى الحرية، وامتلأت الشاشات بالهراء والغثاء من قبل الفنانين والمحللين السياسيين، أبناء «الطفرة الثورية» الذين لم ينتموا إلى الثورة يومًا، ولكنهم الآن يسعون لقطف ثمارها والاستحواذ على منجزاتها تحت مُسمّى «الحرية» التي لا يعترفون بأن السلطة الجديدة الممثلة بالرئيس هي التي منحتهم إياها، بل يعتقدون أنهم انتزعوها لأنها حقّ لهم.
ومعظم هؤلاء من اليسار «المحنط» الذين لا يملكون حلولًا ولا رؤية واضحة للقضايا المستعصية في الداخل السوري؛ لأنهم في الأصل يريدون ثورة على مقاس أفكارهم البالية المستقاة من الكتب اليسارية، ولا يريدون أن يتخطوا تلك الأفكار والكتب، فإن جاءت الثورة مخالفة لمقاساتهم رفضوها وخرجوا ضدها؛ لأنها ستقضي أولًا على وجودهم «ومعارضتهم الأبدية» وتثبت فشل تلك النظريات التي حاربوا من أجلها طوال سنوات المعارضة.
إعلاميو الغفلة
هؤلاء دورهم في التخريب والتشويش على سياسات الدولة ممنهج ودقيق، فهم يديرون منصات إلكترونية، ويظهرون على الشاشات ليعبروا عن رأي مموليهم، سواء كانوا جنرالات من النظام السابق كالذين ما زالوا إلى الآن يروّجون لمناف طلاس، أو للجهات التي تمولهم سواء كانت أشخاصًا أو دولًا، تلك الدول التي يترأسها نظام قمعي لا يريد لسوريا الاستقرار والنجاح في إعادة بناء الإنسان والبلد؛ لأن ذلك يعني هزيمة نكراء لهم، وربما يتحسسون رؤوسهم من حركة تطيح بحكمهم.
بالإضافة إلى هؤلاء، يقف الانفصاليون ضد الدولة السورية التي يسعى «الإرهابي الأول» إلى إقامتها، وأقول “انفصاليون” لأنهم شريحة تشكّل الجناح الثاني في «قسد» التابع لأوامر خارجية، ويتشكّل في غالبيته من أكراد غير سوريين، ومن بقايا فلول النظام الذين هربوا إلى شرق سوريا يوم سقوط النظام، وهؤلاء لا يريدون لسوريا أن تنهض لما في ذلك من ضرر كبير على مصالح مشغليهم.
فوبيا الدولة الإسلامية والنموذج التركي
لا يريد كل هؤلاء أن تقوم دولة إسلامية ناجحة في سوريا وإن كانت على النموذج التركي، فمعنى ذلك أن الشعوب المسلمة قادرة على بناء دولة حديثة تمثل جميع الأطياف، وتطيح بأفكارهم وخططهم وتصوراتهم ووجودهم.
لأجل ذلك يكرهون الشرع ويحاولون إثبات أنه الإرهابي الأشد خطورة على العالم في الشرق الأوسط، ويريدون وبكل ما أوتوا من قوة لو يستطيعون إبعاده عن الحكم بأيّ وسيلة. نهايته تعني تقسيم سوريا، وزعزعة أمنها، وتحقيق حلم الدويلات الصغيرة الضعيفة التي يسهل ابتزازها والتحكم بالمواطن «الأخرس» الذي يتشدّقون بحقوقه وبالدفاع عنه!
لكنهم لن ينجحوا؛ لأنهم باختصار أمام رجل دولة يعرف الطريق الصحيح لبنائها.
