أزمات الهوية.. يشعلها الصغار ويحترق بها الكبار

تحولت كليوباترا إلى رمز انتخابي للقائمة الوطنية من أجل مصر (منصات التواصل)

 

مع انشغال المصريين في أزمات معيشية واقتصادية، وحتى انتخابية، إلا أن نفرا منهم أبوا إلا أن يعيدوا معركة الهوية، ليفرضوها على أجندة الاهتمامات المجتمعية، أقصد هنا مجموعة النخبة الكيميتية (الاسم الدارج لمصر القديمة)، التي ترى في الانتماء الفرعوني لمصر انتماء وحيدا، وما غيره من انتماءات دخيلة على المجتمع عبر مراحل غزو متتالية.

خطورة هذه الدعوة ليست في بعدها الثقافي، ولكن في بعدها العملي على الأرض، فأصحابها هم الذين نشروا حالة من العنصرية المقيتة في مصر ضد اللاجئين السوريين والسودانيين، وتاليا الفلسطينيين، لم يستخدموا في دعوتهم شعاراتهم “الثقافوية”، لكنهم ضغطوا على الوتر الحساس وهو الأزمات الاقتصادية التي يعانيها المصريون، وألقوا باللائمة في تلك الأزمات على ملايين المهاجرين الذين ينازعون المصريين في لقمة عيشهم، وفي سوق العمل والنشاط التجاري… إلخ، والتكاليف الضخمة التي تحملتها مصر في حروبها السابقة، أو ستتحملها في أي حرب جديدة.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

على شاكلة هذه المجموعة النخبوية في مصر توجد مجموعات نخبوية مشابهة في بعض الدول العربية الأخرى مثل العراق والسودان وتونس وحديثا في سوريا أيضا، وهي لا تشغل بالها بالقضايا الكبرى لمجتمعاتها، بل تنشغل بهذه المعارك السفسطائية التي تصنع توترا مجتمعيا، لكنه يمنحها مساحة للحضور ولو على طريقة من بال في بئر زمزم حتى يعرفه الناس! المشكلة أن المجتمع الواسع هو من يكتوي بنيران الفتن التي تشعلها هذه المجموعات الصغيرة.

كراهية للعروبة والإسلام

هذه المجموعة النخبوية التي تتدثر بعباءة الفرعونية تخفي كراهية فائقة للهوية العربية الإسلامية التي جسدتها دساتير مصر المتعاقبة، كان هذا التجسيد الدستوري نتيجة حوار مجتمعي واسع شاركت فيه كل المكونات الاجتماعية والسياسية والدينية والفئوية، لم يختلف دستور 2014 عن دستور 2012، ولا حتى دستور 1971 وما قبله، فدستور ثورة يناير (2012) ينص في مادته الأولى أن “الشعب المصري جزء من الأمتين العربية والإسلامية، ويعتز بانتمائه لحوض النيل والقارة الإفريقية وبامتداده الآسيوي، ويشارك بإيجابية في الحضارة الإنسانية”، كما نص في مادته الثانية أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادي الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، وفي مادته الثالثة على “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”.

ولم يختلف دستور 2014 كثيرا عن هذا التوصيف، حيث نص في مواده الثلاث الأولى على أن “الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلامي، تنتمي إلى القارة الإفريقية، وتعتز بامتدادها الآسيوي، وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية، وأن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، وأن “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية”. للتذكير هنا يوصف دستور 2012 بأنه دستور الإخوان، بينما يوصف دستور 2014 بأنه دستور القوى المدنية الليبرالية واليسارية، وكلا الدستورين تضمنا نصوصا متطابقة في مواد الهوية، بما يعني أن تلك النصوص تعبير عن التوجهات الرئيسة في المجتمع المصري، وبما يعني أن أي اقتراب منها، أو تعديل فيها هو فتنة ملعونة.

أزمات هوية تاريخية

عاشت مصر أزمة هوية في فترات مختلفة من تاريخها الحديث والمعاصر، كان أولها مطلع القرن العشرين مع ظهور دعوات للهوية الفرعونية لمصر ، وقد تصدر الدعوة لها المفكر الليبرالي أحمد لطفي السيد، الذي أسس حزبا سياسيا يتبنى تلك الدعوة(حزب الأمة)، في الوقت نفسه كان هناك زعماء مصريون يتبنون الهوية الإسلامية، أو ما عرف حينها بالجامعة الإسلامية، وقد تصدر هذا الاتجاه أساسا الزعيم الوطني مصطفى كامل، ورفيقه محمد فريد مؤسسا الحزب الوطني، واندلعت في تلك الفترة معركة رمزية بين العمامة والطربوش التركي، والبرنيطة الأوروبية، وقد حسمت حركة ضباط يوليو 1952 هوية مصر انحيازا للهوية العربية التي تضمنتها الدساتير المتعاقبة.

في عهد السادات نشطت دعوة الفرعونية لبعض الوقت، لكنها كانت رد فعل ساداتي على الحصار العربي لمصر فيما عرف بجبهة الصمود والتصدي، أو ما وصفها السادات بجبهة الرفض التي تشكلت من الأقطار العربية الرئيسة لفرض عزلة على مصر بسبب زيارة السادات للكيان الصهيوني، وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد، ولأنها كانت محض رد فعل انفعالي فإنها لم تصمد كثيرا، لتعود المعركة مجددا عقب ثورة يناير، مع تمتع المصريين بسقف حرية لم يبلغوه من قبل، وقد حسمت المعركة في دستور الثورة 2012، ثم تأكدت في الدستور التالي 2014 كما ذكرنا من قبل.

لا ينشغل المواطنون البسطاء بمعارك النخب، ومنها المعركة المفتعلة حول الهوية، والتي تغذيها بعض جهات التمويل الدولية، وبعض الأصوات الطائفية، المواطنون البسطاء يعرفون جيدا هويتهم، ويمارسون طقوسهم اليومية وفقا لها، فهم يبدؤون يومهم وينهونه بالصلوات، وهم يراعون هذه الهوية في ملبسهم ومأكلهم، وعاداتهم الاجتماعية دونما تكلف، وهم يفرحون لأفراح أشقائهم من عرب ومسلمين، ويتألمون لألمهم، ويسارعون لنجدتهم حسب استطاعتهم، كما هو الحال مع أزمات فلسطين والسودان، ومن قبل سوريا والعراق، ولبنان، والبوسنة والهرسك، وحتى الشيشان، وهم لا يستجيبون لدعوات العزلة التي يروجها الكيميتيين، أو غيرهم، لأنهم يدركون أن مصر كبيرة، وقدرها أن تكون مع أشقائها في السراء والضراء.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان