مسابقة دولة التلاوة وحكم قراءة القرآن بالمقامات؟!

أقامت وزارة الأوقاف المصرية مسابقة تحت عنوان: دولة التلاوة، دعت فيها حفظة القرآن الكريم، وأصحاب الأصوات الندية، للتباري والتسابق في حسن الصوت، والأداء، والتلاوة، وأتت بمختصين في القرآن الكريم، وتجويده وأحكام تلاوته للتقييم، وبمختص بعلم المقامات كذلك ليكون ذلك أحد أدوات التقييم، وقد اختلفت وجهات نظر الناس حول إيجابيات المسابقة وسلبياتها، وبين رافض بخلفية الخلاف السياسي للوزارة والوزير، وبين موافق لعلة أيضا الموافقة، وتساءل الناس عن الموقف المنصف من المسابقة، وهل يجوز شرعا أن يقرأ القرآن الكريم بالمقامات، أم أن ذلك ابتداعا لا يجيزه الشرع؟!
الموقف من المسابقة:
أما الموقف المبدئي من المسابقة، فهي مسابقة محمودة في أصلها وفي سياقها، فوزارة الأوقاف تمتلك رصيدا ضخما من الوقف والمال، فإذا قامت بإنفاق جزء من هذه الميزانية أو كثيرا منها، في خدمة المجتمع والدين، وعلى رأس هذه الخدمة: تلاوة القرآن الكريم وخدمته، فهو أمر محمود، لا يمكن للعاقل المنصف إلا أن يشجعه، فإذا كنا نرفض إنفاق الموارد فيما لا ينفع الناس، أو في السطو عليها، وهو ما تعاني منه الوزارة طوال تاريخها، فالأوقاف تملك ثلث أخصب أراضي مصر، وكثير منها يهدر بالتعدي عليها، ويضيع على الناس والمجتمع والدولة الانتفاع بها، فضلا عن ميزانيتها المهمة.
وطبيعي أن كل عمل بشري يعتوره النقص، وبجانب إيجابيات المسابقة الكثيرة فيما نرى، هناك بعض سلبيات، ينبغي أن يتم علاجها، لكن التركيز على السلبيات فقط، أو الإيجابيات فقط، لا يكون منطلقا للحكم عليها، فالغالب الأعم أنه نفع كبير ومهم، وإعلاء للقرآن الكريم وحفظته، وهو أمر محمود مشكور للأوقاف.
فرق بين تلحين القرآن موسيقيا وتلاوته بالمقامات:
أما عن وجود مختص بالمقامات يقيم المتسابقين على أساسها، فلا بد أن نفرق بين أمرين مهمين هنا: بين تلحين القرآن بالموسيقى، وبين تلاوة القرآن بالمقامات، وذلك لأن تراثنا الفقهي لا يناقش الموضوع تحت باب المقامات، بل يناقشه تحت عنوان: قراءة القرآن بالألحان، ومقصوده من ذلك: المقامات. أما الألحان الموسيقية، فموقف الفقهاء على مدار تاريخ الإسلام التحريم الشديد، وزاد تأكيد ذلك في عصرنا الحديث، وكان من أبرز من كتب في ذلك فتوى مهمة: فضيلة الشيخ حسن مأمون، مفتي مصر ثم شيخ الأزهر، وكتب بعده الشيخ مصطفى الزرقا -رحمه الله- مقالا مفصلا في شكل فتوى، بعنوان: العبادة في الإسلام لا يجوز أن تصحبها الموسيقى، وقد نشرها في مجلة الأزهر، ومجلة حضارة الإسلام سنة 1960م، ثم جمعت في فتاواه فيما بعد.
آراء الفقهاء في القراءة بالمقامات:
لقد ناقش فقهاؤنا الكبار قضية تلاوة القرآن بالمقامات (الألحان)، وكثير من كتبنا الفقهية أو الكتب الحديثية التي عنيت بالجوانب الفقهية، نرى فيها هذا النقاش مبسوطا، ومن أشهرها كتاب: فتح الباري للحافظ ابن حجر، والحاوي الكبير للماوردي، وتفسير القرطبي، وغيرها من الكتب المذهبية والفقهية، وخلاصة ما انتهوا إليه ما يلي:
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
- list 2 of 4العمرة.. دليلك العملي لتقليل الجهد وزيادة الثواب
- list 3 of 4هيكل.. 50 عاما من العواصف
- list 4 of 4الرومانسية تعيد العائلة التركية إلى الدراما
قال الحافظ ابن حجر ملخصا القول في المسألة: (وكان بين السلف والخلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره، فلا نزاع في ذلك، فحكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القرآن بالألحان، وحكاه أبو الطيب الطبري والماوردي وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن بطال وعياض والقرطبي من المالكية، والماوردي والبندنيجي والغزالي من الشافعية، وصاحب “الذخيرة” من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة.
وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص للشافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية. وقال الفوراني من الشافعية في “الإبانة”: يجوز بل يستحب، ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير، قال النووي في “التبيان”: أجمعوا على تحريمه، ولفظه: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفا أو أخفاه حرم، وأما القراءة بالألحان فقد نص الشافعي في مواضع على كراهته، وقال في موضع آخر: لا بأس به، فقال أصحابه: ليس على اختلاف قولين بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان على النهج القويم جاز، وإلا حرم، وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخارجها حرم، وكذا حكى ابن حمدان في “الرعاية”.
وقال الإمام الماوردي: (فأما القراءة بالألحان الموضوعة للأغاني فقد اختلف الناس فيها. فرخصها قوم، وأباحوها لرواية أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “ليس منا من لم يتغن بالقرآن”، وشددها آخرون وحظروها لخروجها عن الزجر والعظة إلى اللهو والطرب، ولأنها خارجة عن عرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضوان الله عليهم- إلى ما استحدث من بعده، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: “كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار”.
وأما الشافعي فإنه عدل عن هذين الإطلاقين في الحظر والإباحة باعتبار الألحان، فإذا أخرجت ألفاظ القرآن لمن صيغته، بإدخال حركات فيه وإخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللحن، أو مد مقصور، أو قصر ممدود، أو مطط حتى خفي اللفظ، والتبس المعنى، فهذا محظور يفسق به القارئ ويأثم به المستمع، لأنه قد عدل به عن نهجه إلى اعوجاجه، والله تعالى يقول: {قرآنا عربيا غير ذي عوج} [الزمر: 28].
وإن لم يخرجه اللحن عن صيغة لفظه وقراءته على ترتيله كان مباحا، لأنه قد زاد بألحانه في تحسينه وميل النفس إلى سماعه.
قراء يحسنون المقامات دون علم لهم بها:
فقراء القرآن الكريم في مصر وغيرها، لم يكونوا يدرسون المقامات أولا، ثم يدرسون القرآن وتجويده، بل كانوا يتقنون القرآن تلاوة وتجويدا، وكثير منهم لا يعنى بالمقامات، ولا بدراستها، ولا يفكر فيها، بل يتلو القرآن، ثم يفاجأ بالمختصين من علم المقامات، بأنه مبدع فيه، أو يراعيه بشكل كبير، ولا ينقصه سوى أشياء قليلة، وقد تعلم ذلك بفطرته وذائقته القرآنية فقط، وهذا ما اشتهر عن كثير من شيوخ دولة التلاوة المصرية بدءا من الشيخ محمد رفعت، وانتهاء بالشيخ محمد محمود الطبلاوي.
ومما ينقله التاريخ المعاصر لقراء كان من فطاحل القراءة، وكانوا يبهرون علماء المقامات، فرأينا الشيخ مصطفى إسماعيل، وهو ينتقل ويبهر أهل المقامات، ولم يكن الرجل مختصا بذلك، بل كان قارئا للقرآن، يستعذب التلاوة من خلال علمه بالقراءات، ومن خلال إشباع الحروف والحركات حقها.
وأذكر أننا كنا في مؤتمر عن القرآن الكريم، وكانت هناك كلمة لأحد أهل الفن من متقني علم المقامات، سمع آخر سورة الحشر من تلاوة الشيخ محمد صديق المنشاوي -رحمه الله-، وهو يقرأ قوله تعالى: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ. هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ. هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [الحشر: 22-24]، فصرخ منبهرا: الله، الله، ثم تساءل: كيف انتقل بين هذين المقامين الصعبين؟ هذه أول مرة أرى في حياتي من ينتقل هذا الانتقال بين المقامات المختلفة بشكل سلس، دون أن يحدث نشازا أو انقطاعا يشعر به المستمع.
