ريشة على رأس رمضان صبحي

في غضون الأسبوعين الماضيين، خيَّمت كآبة حالكة على الوسط الرياضي المصري، على إثر اتهام لاعب خط وسط فريق “بيراميدز” رمضان صبحي بالتزوير، وحبسه احتياطيا حتى نهاية الشهر المقبل.
وبحسب الاتهام، فإن اللاعب لجأ إلى شخص ما، أو بلغة السينما “كومبارس”، ليؤدي امتحانات نهاية العام بدلا منه في معهد السياحة والفنادق بمحافظة الجيزة.
ورغم طلب فريق دفاع صبحي إخلاء سبيله بضمان محل إقامته، فإن النيابة قررت استمرار حبسه برفقة البديل الذي حل محله، فضلا عن متهمين اثنين آخرين لتورطهما في تسهيل الجريمة.
ولما كانت المصائب لا تأتي فرادى، فقد تزامنت هذه المحنة مع قرار للمنظمة الدولية لمكافحة المنشطات بإيقاف صبحي أربع سنوات، بعد أن أثبتت تحليلات مخبرية لعينة من دمه تعاطيه منشطات محظورة.
لاعب فذ مرهف الموهبة، ويُعد واحدا من أمهر سحرة خط الوسط في السنوات العشر الماضية، لكن مستقبله الرياضي بات في مهب الريح، فإن نال البراءة من تهمة التزوير، لن يجد سبيلا للإفلات من تهمة تعاطي المنشطات.
ومع التتابع المتصاعد لتداعيات هذه التراجيديا، ارتفع منسوب التعاطف الشعبي مع صبحي، وحتى مشجعو النادي الأهلي الذين يعدّه كثيرون منهم “ناكر جميل” إذ رفض تجديد تعاقده مع الفريق الذي “صنع نجوميته”، ليحترف بصفوف “بيراميدز” طمعا في المقابل المادي الأعلى، ساورتهم مشاعر حزن جارفة على شاب قد يضيع مستقبله الواعد بسوء تقديره ورعونته.
وبغض النظر عن أن عبارة “النادي الذي صنع نجوميته” محض خرافة منبتة الصلة بالواقع في دنيا الاحتراف، ومع الأخذ في الاهتمام أن مشاعر العوام من مشجعي الساحرة المستديرة كثيرا ما تجافي المنطق وتجنح إلى ردود الأفعال غير العقلانية، فإن المثير والغريب أن التعاطف مع اللاعب قد طغى على الخطاب الإعلامي، فإذا بأغلبية مقدمي البرامج الرياضية يسألون الرفق بـ”الشاب المسكين”: “حرام.. لا تذبحوا موهبته.. كل ابن آدم خطّاء.. مستقبله سيضيع لغلطة واحدة”.
وفي إطار التعاطف ذاته، كلّف رئيس الأهلي محمود الخطيب المستشار القانوني للنادي بالانضمام إلى فريق الدفاع عن صبحي انطلاقا من “الثوابت الراسخة التي تأسس عليها النادي الأهلي، والقائمة على الوقوف إلى جانب أبنائه ودعمهم”، كما جاء في بيان على موقع النادي الرسمي.
لا تحفظ على قرار القلعة الحمراء، بل إنه يمثل مبادرة تستحق التقدير والإشادة، لكن الإشكالية تكمن في منطوق البيان الرسمي الذي أوحى بشيء من التمييز لـ”المتهم رمضان صبحي” بغير سبب إلا أنه “ابن النادي”.
خطاب إعلامي يعتدي على مبادئ العدالة
وعلى المنوال ذاته تتبدى الملاحظة نفسها في الخطاب الإعلامي، فمقدمو البرامج الرياضية –وهم في معظمهم لاعبون معتزلون– انبروا يستصرخون المسؤولين الرحمة بالشاب المسكين، وأسرفوا في الحديث عن موهبته ومهاراته، ودفعوا –ولو ضمنيا– بأنه “ليس لائقا” الزج بنجم كرة قدم إلى غياهب السجن لتورطه بـ”هفوة هينة”.
خطاب يحمل في طياته إخلالا جسيما واعتداء صارخا على مفاهيم العدالة وروحها وفلسفتها التي يُفترض أن تكون عمياء، كما يقرر الفقيه القانوني الكبير عبد الرزاق السنهوري بقوله: “وظيفة العدالة ألا تعرف الوجوه، بل أن تعرف الحق”.
واللافت للانتباه أن دفاع الإعلاميين الرياضيين عن صبحي يؤسس لمنطق يكاد يكون قبليا جاهليا، فحواه أن أفراد كل جماعة يذودون عن الواحد منهم سواء كان ظالما أو مظلوما، ولا يجدون في سبيل ذلك بأسا في تمريغ هيبة القانون وتجاوز العدالة نصرة لا للفرد المخطئ، بل لكونه من “جماعتهم”.
هذا منطق أهلك الذين من قبلنا، الذين كان الشريف فيهم إذا سرق تركوه، وإذا سرق الفقير أقاموا عليه الحد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-.
هبّ أن رمضان صبحي كان طبيبا، فهل من المنطقي أن يدافع الأطباء عنه لمجرد أنه منهم؟
وماذا لو كان المتورط في جريمة التزوير شابا نابغا أو باحثا مرموقا؟
هل كان واردا –والحال كذلك– أن يتمترس الإعلاميون والرياضيون والرأي العام في خندق تبرئته؟
وإذا كانت دوافع الدفاع عن صبحي تتكئ على مشاعر الرحمة والإشفاق من ضياع مستقبله، فأين هذه المشاعر من المحبوسين في قضايا الرأي الذين لم يرتكبوا جرما يسوغ ضياع شبابهم في السجون؟
صورة قبيحة للقبلية
في الثلث الأول من العام الجاري، أُدين مسن مسيحي يعمل مراقبا ماليا بهتك عرض طفل في مرحلة الحضانة بإحدى مدارس محافظة دمنهور، فصدر الحكم بحبسه 15 سنة.
وقتها برزت ثقافة القبيلة في أقبح صورها، إذ شرع قطاع من المسيحيين يعبّرون على مواقع التواصل عن اعتقادهم بأنه ليس معقولا أن مسنا شارف على الثمانين يرتكب جريمة كهذه، على حين دعا آخرون إلى توخي الرحمة معه لأنه بلغ من العمر عتيّا، بل ذهب عديد من المتعاطفين –في مبالغة قبيحة– إلى أن قرار الإدانة ينحاز إلى “الأغلبية المسلمة”.
المنطق هو هو: هذا منّا، وسندافع عنه ظالما ومظلوما، بغض النظر عن كون الانتماء دينيا أو عرقيا أو وظيفيا.
يقول الدستور المصري في المادة 53: “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو لأي سبب آخر”.
صحيح أن التحقيقات مع اللاعب المتهم لن تأبه بالضجة المثارة لحشد التعاطف معه، لكن شيوع تلك الثقافة القبلية وغرسها في نفوس القاعدة الشعبية عبر خطاب إعلامي “يطفف ميزان العدالة” ليس من الحصافة.
دولة القانون هي الحل، ولا فضل أو أفضلية لإنسان على إنسان، هذا إن أردنا بحق الحفاظ على السلم الاجتماعي، وإذا كنا نريد “دولة قانون” كتلك التي نسمع عنها “في أوروبا والدول المتقدمة”، على حد العبارة الأيقونية للممثل السوداني محمد السني في فيلم “الإرهاب والكباب”.
مع كل الأماني الصادقة أن تبرئ التحقيقات صبحي، ومع كل التعاطف معه والأسى على ما آلت إليه أحواله، تبقى الحقيقة التي لا يأتيها الباطل: ليست هنالك ريشة على رأسه، ولا ينبغي أن تكون هنالك ريشة لمجرد أنه لاعب كرة قدم، كما لا ينبغي أن تكون هنالك ريشة على رأس أي إنسان مهما كان موقعه أو مكانته.
بغير ذلك لن تكون هنالك دولة، وإنما شبه دولة.
