قصة الأفغاني الذي هاجم الحرس الوطني وأوقف الهجرة إلى أمريكا

المشهد بعد إطلاق الرصاص وإصابة اثنين بجروح خطرة من عناصر الحرس الوطني الأمريكي (الأناضول)

لم تكن مجرد رصاصات أطلقها شاب أفغاني غاضب على جنديين في الحرس الوطني الأمريكي، في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن، على مقربة من «البيت الأبيض»، الذي تم إغلاقه لبعض الوقت، بل قنبلة سياسية انشطارية تطايرت شظاياها لتضرب وجوه الأفغان جميعهم المهاجرين إلى الولايات المتحدة، لتقلب حياتهم رأسا على عقب، وتخلق لهم المتاعب، وسرعان ما راحت شظاياها تضرب في كل اتجاه. فالحادث تحوّل سريعا إلى مادة للتراشق وتبادل القصف الإعلامي حول سياسات الهجرة بين الجمهوريين والديمقراطيين. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف الهجوم بأنه «عمل إرهابي»، وصبّ جام غضبه على سلفه الرئيس جو بايدن، منتقدا برنامجه «الترحيب بالحلفاء» الذي يفتح الباب لاستقبال المتعاونين مع القوات الأمريكية في أفغانستان ومنحهم حق اللجوء والإقامة.

وقرر ترامب تجميد طلبات الهجرة جميعها للأفغان الوافدين في ظل إدارة بايدن (200 ألف أفغاني)، عقابا جماعيا، وإخلالا بالتعهدات الأمريكية بتوفير الحماية المؤقتة للمتعاونين. ومع تصاعد غضب ترامب، أمر بمراجعة البطاقات الخضر (حق اللجوء والإقامة) لـ«19 دولة» موصوفة بأنها عالية المخاطر، ومنها أفغانستان، وأعلن وقف الهجرة من دول العالم الثالث.

كتيبة الموت السرية.. لاصطياد قادة طالبان


القنبلة الانشطارية فجّرها (الأربعاء) المهاجر الأفغاني المولود في قندهار، رحمان الله لاكانوال (29 سنة)، الذي قطع بسيارته مسافة 4200 كيلو متر، قادما من مدينة بيلينغهام الأمريكية القريبة من الحدود الكندية، ليطلق الرصاص من مسدس قديم على جندية بالحرس الوطني (توفيت لاحقا) وزميل لها (يصارع الموت)، قبل أن يبادره جنود آخرون بأربع رصاصات أصابته، لتتم السيطرة عليه ونقله إلى المستشفى.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

«رحمان الله لاكانوال» أسهم في تأمين مطار العاصمة الأفغانية كابول (أغسطس/آب 2021) لتأمين الجنود الأمريكيين أثناء انسحابهم العشوائي فرارا من بلاده. فقد انخرط عام 2011 وعمره 15 عاما، ولمدة 10 سنوات، في وحدة «صيادو الظلال» التابعة لوكالة المخابرات المركزية إبان الاحتلال الأمريكي–البريطاني لأفغانستان (2001–2021). وهي كتيبة سرية للموت، مدرّبة على اختراق الحواجز والحصون في الظلام واصطياد قادة طالبان وقتلهم بأسلحة أمريكية بلا صوت أو ضجيج.

رحمان الله وصل إلى الولايات المتحدة مع زوجته وأطفاله الخمسة فرارا من طالبان (سبتمبر/أيلول 2021)، في سياق برنامج بايدن، ليتم توطينه في مدينة بيلينغهام، وتمنحه إدارة ترامب في إبريل/نيسان الماضي حق اللجوء والإقامة (البطاقة الخضراء) دون الجنسية الكاملة. التحقيقات الفيدرالية حول الحادث لم تتوصل إلى مؤشرات على ارتباطه بأي جماعة أو خلايا إرهابية، كما تبيّن أن الحادث ليس انتقاما شخصيا لانتفاء أي صلة بين «المهاجم» والضحايا، وهو الذي رفض التعاون مع المحققين.

 صدمة الانسحاب الأمريكي الفوضوي من مطار كابول


ما دوافع «رحمان الله لاكانوال» لتصفية عنصري الحرس الوطني في واشنطن؟ معلوم أن حركة طالبان المقاومة للاحتلال الأمريكي، والحاكمة الآن، استهدفت «رحمان الله وأقرانه» ممن تعاونوا مع الأمريكيين (77 ألف شخص) وعدّتهم موصومين بالخيانة.

وفقا للمعلومات المتاحة في الصحافة الأمريكية وما رشح عن التحقيقات، فالمرجح أنه، في ظل تجنيده عميلا للأمريكيين في سن صغيرة وارتكابه أعمال القتل الوحشية ضد الأفغان، ربما ضربته نوبة إفاقة، وأعاد تقييم مسيرته السابقة في خدمة الأمريكيين بوصفها خيانة لوطنه وأهله، وكذلك الصدمة التي طالته على خلفية مشهد الانسحاب الفوضوي والهروب الجماعي للأمريكيين في مطار كابول، الذي عاشه بتفاصيله مشاركا في تأمين عملية الهروب هذه.

ليجد نفسه في حالة خذلان بعد أن باع نفسه للاحتلال وخسر أهله وبني وطنه. وهو الآن يشعر بالتخلي عنه، فلم يحصل على الجنسية الأمريكية، ويعمل سائقا بدخل يبلغ 4 آلاف دولار يدفع نصفه للسكن، وهو دخل ليس سيئا ولا جيدا، لكنه لا يتناسب مع التضحية التي قدمها للأمريكيين، كما يتصور.

ويبدو أن القلق استبد به وبات يخشى الترحيل في ظل إدارة ترامب التي ترفع شعار «أمريكا أولًا»، ولا تخفي مناهضتها للهجرة والمهاجرين وتصاعد نبرة العنصرية في خطابها. ومن هنا ربما قرر الانتقام، أو لنقل: الصراخ المجنون للتعبير عما يجول في نفسه.

لماذا قطع 4200 كيلو متر؟


لماذا قطع رحمان الله كل هذه المسافة (4200 كيلو متر) غاضبا ليقتل عناصر الحرس الوطني بالقرب من البيت الأبيض؟ ولماذا لم يقتل أقرانهم في مدينة بيلينغهام المقيم بها؟

ربما أصيب رحمان الله بـ«البارانويا»، وهي حالة نفسية مرضية تطال من يكونون في مثل ظروفه، وينتج عنها فقدان الثقة بالغير، والتشكك المبالغ فيه بنياتهم، والشعور بأنه مراقَب ومهدَّد. وهذا يتناسب مع شعوره بالقلق والتهميش وخشيته من الترحيل في ظل الخطاب الحكومي المناهض للمهاجرين.

فأراد أن يطلق صرخة انتقام مدوية من قلب العاصمة الأمريكية وعلى بُعد خطوات من البيت الأبيض، رمز السلطة والهيمنة في العالم. فهذا هو الميدان الأعظم الملائم لتصل صرخته إلى أسماع الكون كله. ولأنه ليس بوسعه أن يطال وكالة المخابرات المركزية التي استغلته صغيرا وتخلت عنه الآن –حسبما يتصور– فقد وجّه رصاصاته إلى رؤوس جنود الحرس الوطني انتقاما من المؤسسة العسكرية الأمريكية التي خدعته وخذلته.

فالعملية ليست عشوائية

رغم القلق والاضطراب النفسي.

إجمالا: فقصة إطلاق المهاجر الأفغاني رحمان الله لاكانوال النار على جنود الحرس الوطني تُعد تجسيدا للمقولة المنسوبة للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك: «المتغطي بالأمريكان.. عريان».

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان