اتفاق المياه بين تركيا والعراق: تعاون استراتيجي أم عودة للاستعمار؟!

«تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن» مثل شعبي دارج في ثقافتنا العربية ينطبق تمامًا على الحالة التي نجمت عن توقيع اتفاقية التعاون المائي بين تركيا والعراق التي أُعلن عنها مؤخرًا، إذ أظهر الاتفاق تباينًا كبيرًا في موقفي كل من القيادة السياسية العراقية والرأي العام لديها، وكشف عن وجود شرخ عميق مرشح لاتساع رقعته خلال المرحلة الزمنية المقبلة في عموم العلاقة بين الطرفين.
فعلى الرغم من أن الاتفاقية التي تم توقيعها مؤخرًا هدفت إلى إيجاد حل لأزمة شحّ المياه التي يعاني منها العراق منذ عقود، ولا تخرج عن كونها آلية لتنفيذ اتفاقيتين سابقتين؛ الأولى اتفاق تفاهم تم توقيعه عام 2014، والثانية اتفاقية إطارية وُقعت عام 2024 أثناء زيارة الرئيس أردوغان لبغداد، فإن ما تم إعلانه من بنود هذه الآلية أحدث جدلًا واسعًا داخل الأوساط المختصة، وأثار موجة من الغضب والاستياء العام على الصعيدين السياسي والشعبي، معتبرين الاتفاق استعمارًا مائيًا للعراق تُمنح تركيا بموجبه السلطة المطلقة على موارده المائية.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 2 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 3 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
- list 4 of 4العمرة.. دليلك العملي لتقليل الجهد وزيادة الثواب
فيما تؤكد الحكومة العراقية أنه يصب في مصلحة العراق، كونه يحدد صيغة تنفيذ المشروعات التي تندرج ضمن الاتفاقيتين المشار إليهما، وتشمل إنشاء سدود صغيرة ومتوسطة، وتبطين الأنهار، وعمل مجارٍ لتحويل مياه الأمطار إلى الأنهار، والحد من تلوث مياهها، وتحسين نوعيتها، واستخدام تقنيات حديثة للري لمنع عمليات هدر المخزون المائي، ووضع خطط لاستصلاح الأراضي الزراعية وآلية تمويلها، بما يساهم في مواجهة مشكلة الشحّ المائي الذي يعانيه العراق.
وذلك عبر الاستفادة من التجربة التركية في إدارة ملف المياه التي أحرزت فيها أنقرة نجاحًا مبهرًا ساعدها في استثمار مواردها المائية والاستفادة منها إلى أقصى درجة، حيث من المقرر أن تتولى لجان استشارية تركية – عراقية مشتركة تحديد المشروعات العاجلة التي يحتاج إليها العراق في كل محافظة، وطرحها في مناقصات أمام الشركات التركية لاختيار الأنسب لتولي مهمة تنفيذها، ووضع حلول مستدامة لإدارة ملف المياه في البلاد.
على أن يتم تمويل هذه المشروعات من عوائد بيع كميات من النفط الخام للشركات التركية وفق سعر النشرة العالمية المحددة لسعر النفط العراقي، وفق السياقات المعمول بها لدى شركة تسويق النفط العراقية.
تباين بين الآراء الرسمية والشعبية
ما عدّته الحكومة العراقية «إنجازًا تاريخيًا» يصب في مصلحة العراق، ويعمل على إيجاد حلول جذرية مستدامة لمشكلة الشحّ المائي التي يعانيها منذ عدة سنوات، رآه الخبراء وأعضاء من البرلمان والرأي العام خطرًا يهدد سيادة العراق، ويعرض أمنه المائي للاستباحة بعد أن منحت بنود الاتفاقية الشركات التركية حصرًا الحق في التغلغل داخل عمق المنشآت الحيوية العراقية، وتفردها بتولي مهمة إنشاء مشروعات ضخمة تتعلق بالري وتخزين المياه وخطط الدولة الزراعية.
إلى جانب غياب أي ضمانات بشأن تحديد حصص ثابتة من تدفق المياه، والقلق من اطلاع الشركات التركية على المعلومات الديموغرافية المرتبطة بالبنية التحتية والتقسيمات الجغرافية للمناطق العراقية، كونها المتفردة بتنفيذ جميع المشروعات المائية الكبيرة، مما يمنحها الحق في الوصول إلى بيانات دقيقة وحساسة تمس الأمن القومي للبلاد، وهو ما لا يجب السماح به أو تداوله.
كما يجعل مصالح العراق المائية عرضة للمساومة مقابل مصالح اقتصادية أخرى، ما من شأنه تعزيز الضغط التركي على الحكومة المركزية في بغداد في العديد من الملفات الشائكة بينهما، مثل ملف حزب العمال الكردستاني، وتواجد القوات التركية على الأراضي العراقية، والملفات الاقتصادية الأخرى.
شكوك حول طبيعة الاتفاق
يُضاف إلى ذلك القلق من آلية التمويل التي تم ربطها بمبيعات النفط العراقي لتركيا، والتشكيك في مدى استدامتها في ظل تذبذب أسعار النفط، والتقلبات الاقتصادية، والتغيرات العالمية، حتى ذهب البعض إلى وصف الاتفاق بالمؤقت، لأنه يمنح الشركات التركية مزيدًا من الامتيازات بتوليها مهمة تنفيذ المشروعات العملاقة داخل العراق، في حين تعاني المحافظات العراقية ذات الكثافة السكانية المرتفعة من نقص حاد في المياه، خاصة في مناطق الأهوار وشط العرب والبحيرات الجنوبية، مما خلق مشكلة هجرة عكسية واسعة النطاق من المناطق الريفية إلى المدن المجاورة.
مخاوف مشروعة لا يجب تجاهلها أو التقليل من شأن تأثيراتها المستقبلية على السيادة المائية العراقية، خاصة وأن الاتفاق يمنح تركيا السيطرة الكاملة على حصص العراق من مياه دجلة والفرات، ويضع الأمن المائي لبلاد الرافدين في مهب الريح، مما أعاد إلى الأذهان العراقيل التي سبق أن أعاقت اتفاقات مماثلة مع تركيا، حُرم العراق بسببها من الحصول على حصته الكاملة من المياه.
فمع تضارب المصالح المائية لكل من العراق وتركيا بعد أن أقدمت الأخيرة على تنفيذ سدود عملاقة على نهري دجلة والفرات لتأمين المياه لمشروعاتها الزراعية وتوليد الطاقة الكهرومائية – وهو مشروع جنوب شرق الأناضول المعروف إعلاميًا باسم «جاب» – تحمل العراق وسوريا تبعات النقص المتزايد في حجم المياه المتدفقة إلى أراضيهما، وما نتج عن ذلك من مخاطر اقتصادية وزراعية وبيئية.
العراق المتضرر الأكبر
وللحقيقة، فإن العراق كان الأكثر تضررًا من الخطط التركية، حيث يواجه منذ عام 2006 أزمة مياه مستمرة ومتزايدة في العديد من محافظاته، مما أثّر على خريطته الزراعية. وما زاد الأمور سوءًا بدء تشغيل سد «إيليسو» بكامل طاقته في ديسمبر/كانون الأول 2020 – وهو أكبر سد في تركيا بعد سد أتاتورك – الذي شُيّد فوق أعلى مجرى نهر دجلة في تركيا بهدف توليد 1200 ميغاوات من الطاقة الكهرومائية لجنوب شرق تركيا.
لينخفض حجم تدفق المياه إلى العراق الذي يعتمد على 60% من احتياجاته على المياه القادمة إليه من الأراضي التركية إلى أقل من النصف، ما أدى إلى تراجع مناسيب المياه في الأنهار والأهوار، وتدهور الإنتاج الزراعي، وزيادة التصحر، وحدوث موجات من الهجرة العكسية نتيجة شحّ المياه، وخروج مئات القرى من الخريطة الزراعية للبلاد وتحولها إلى مناطق مهجورة. وقد أعلن وزير الموارد المائية العراقي تحول نهري دجلة والفرات من نهرين مفعمين بالحياة إلى «قناتين»، مؤكدًا أن بلاد الرافدين والوفرة المائية تحولت إلى بلاد الشحّ والندرة المائية.
مخاوف الرأي العام العراقي
الاتفاق الذي تم توقيعه بين أنقرة وبغداد يحمل في طياته بنودًا إيجابية يمكن البناء عليها واعتبارها أساسًا للتعاون المشترك بين البلدين، يتيح لهما إدارة الموارد المائية وتبادل المعلومات والبيانات المرتبطة بهذه العملية، وتنظيم تدفقات نهري دجلة والفرات بما يلبي احتياجات العراق الزراعية والاقتصادية والبيئية، ويحفظ له أمنه المائي والقومي.
كما يمكن أن يسهم في تحسين صورة تركيا في ذهن المواطن العراقي، وإعادة الثقة بين البلدين بما يتيح لهما تطوير علاقاتهما في جميع المجالات، وزيادة حجم التعاون التجاري والاقتصادي بينهما. غير أنه بحاجة مُلحّة إلى الاتفاق على آليات واضحة المعالم، مصحوبة بضمانات منطقية قابلة للتحقيق على الأرض، والتزام قانوني يتوافق مع القوانين الدولية التي تضمن عدالة التوزيع وتقاسم المياه بين دولة المنبع ودول العبور والمصب، مع وضع خطط لإشراف مشترك دائم يضم نخبة من الفنيين والخبراء من كلا البلدين لضمان استدامة الاتفاق وإزالة المخاوف التي تنتاب العراقيين.
