الزيتون.. حكاية صمود في وجه الجفاف والاحتلال

مستوطن إسرائيلي يجادل فلسطينيا في موسم قطف الزيتون (الفرنسية)

في منزلنا بشمال الأردن، تقف ثلاث شجرات زيتون شامخة في الحديقة الخلفية، جذورها متشابكة مع التراب، وأغصانها تمتد نحو الشمس بثباتٍ يشبه الدعاء.
لن أنسى صبر أمي منذ أن غرست تلك الشتلات الصغيرة، وهي تتابع نموها كما تتابع نمو أحد أبنائها. كانت كل صباح تلمس أوراقها برفق وتبتسم لبرعم جديد، كأنها تحرس حياة خضراء تنبض في قلب التراب.
وبعد سنوات من الانتظار، أثمرت الشجرات الثلاث أخيرًا. ما زلت أذكر ابتسامة أمي العريضة وهي تنادينا لنجمع حبات الزيتون الخضراء. عادت من المعصرة بزيت صافٍ يلمع كالذهب، طعمه مختلف –لأنه لم يكن ثمرة شجر فحسب– بل ثمرة حب وصبر أمومي يشبه المعجزة.

ذلك المشهد لم يكن استثناءً في بيتنا؛ فمعظم بيوت الحي كانت ولا تزال تحتضن أشجار الزيتون في أفنيتها، كأنها جزء من ذاكرتها الأولى. وفي نابلس وعجلون، كما في طرطوس وجزين، تتكرر الصورة ذاتها: الزيتون يحيط بالبيوت، يظلل الأرصفة، ويزهر في «الحاكورة» الصغيرة بين البيت والأرض.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

شجرة الزيتون في بلاد الشام ليست مجرد نبات؛ إنها رمز للهوية والصمود، ترافق الناس في أعراسهم ومواسمهم، وتكبر معهم جيلًا بعد جيل. تمتد من جبال الجليل إلى سواحل المتوسط، ومن سهول حوران إلى مرتفعات عجلون، لتختزل تاريخ المنطقة في جذورها، فحيثما وُجد الزيتون، وُجدت حكاية الإنسان الشامي مع الأرض وفكرة الاستمرار رغم كل ما يعصف من حوله.

منذ نحو سبعة آلاف عام قبل الميلاد، شرع الإنسان في زراعة شجرة الزيتون واستخدامها في بلاد الشام، المهد التاريخي لهذه الشجرة العريقة. إذ تتميز بقدرتها الفائقة على التكيف مع مختلف البيئات الجغرافية، وبثبات جذورها العميق في الأرض الذي يمنحها القدرة على الاستمرار لآلاف السنين. ومع مرور الزمن، أصبح الزيتون عنصرًا أساسيًّا في حضارات كريت واليونان وروما القديمة، إذ أدى دورًا محوريًّا في حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

واليوم تغطي الشجرة المباركة ملايين الدونمات في الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان، لتشكل عمودًا للأمن الغذائي والاجتماعي، ومصدر دخل لآلاف الأسر، وجسرًا يربط الريف بالأسواق المحلية والإقليمية في مواجهة تحديات البيئة والسياسة.

أزمة غير مسبوقة

لكن موسم قطف الزيتون هذا العام في بلاد الشام جاء حزينًا على الفلاح والمستهلك على حد سواء، فلم يأتِ بالفرح كما عهدوه دائمًا. لقد عصفت رياح قاسية بهذه الشجرة المباركة، فحوّلت مشهد الفرح الموسمي إلى خيبة أمل ثقيلة.

ففي الأردن وسوريا، أدى تراجع الهطل المطري العام الماضي وموجات الصقيع إلى انخفاض في المحصول لم تشهده المنطقة منذ عشرين عامًا، بينما التهمت القنابل العنقودية والنيران التي أمطر بها الكيان الصهيوني الجنوب اللبناني مساحات واسعة من بساتين الزيتون التي كانت يومًا خضراء وارفة.

ذروة المأساة في الضفة

أما في الضفة الغربية، فبلغت مأساة الزيتون ذروتها مع استمرار اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال الإسرائيلي على المزارعين وأراضيهم، واقتلاع آلاف الأشجار ومنع أصحابها من جني محصولهم، وسط سرقة متزايدة للأراضي وتوسع استيطاني.

منذ أكتوبر 2023، شهد القطاع حملة تدمير ممنهجة طالت آلاف الأشجار ومئات المزارع. إذ تشير تقارير أممية إلى اقتلاع أكثر من ثلاثة آلاف شجرة في 2024، وارتفاع العدد إلى أكثر من أربعة آلاف شجرة وشتلة حتى 2025، مع اعتداءات جماعية من قبل المستوطنين في رام الله والمغيّر. كما بقيت نحو 96 ألف دونم غير محصودة في 2023، وحُرم أصحاب أكثر من 25 ألف دونم من الوصول إلى أراضيهم أو تم الاستيلاء عليها جزئيًّا.

الموسم الأسوأ منذ عقود

وفي الأردن، يواجه قطاع الزيتون أحد أصعب مواسمه منذ عقود، مع تراجع حاد في الإنتاج انخفض بنسبة من 40 إلى 50%، وما صاحبه من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار. وأوضحت نقابة أصحاب المعاصر ومنتجي الزيتون الأردنية أن التقديرات الأولية تشير إلى أن إنتاج زيت الزيتون لموسم 2025 لن يتجاوز 18 إلى 20 ألف طن، مقارنة بمعدل سنوي معتاد يتراوح بين 25 و40 ألف طن.

هذا الانخفاض يُعزى إلى ضعف الموسم المطري وتأثير التغيرات المناخية، كل ذلك جعل وزارة الزراعة تدرس استيراد زيت الزيتون من دول أخرى لتغطية الطلب السنوي، إضافة إلى وضع حلول لدعم هذا القطاع المهم.

قد يتساءل البعض: لماذا لا تُروى أشجار الزيتون في مواسم ضعف المطر؟
السبب أن الزيتون من الأشجار العاشقة للمطر، فأجود أنواعه هو الزيتون «البعلي» الذي يعتمد على مياه الأمطار، إذ يمنح زيتًا أنقى وأعلى جودة، يتميز بنكهة غنية وقيمة صحية أكبر. أما الزيتون المروي فهو أكثر استقرارًا في الإنتاج لكنه أقل جودة، لذلك يُفضَّل الزيت البعلي في الأسواق.

ونظرًا لأن أكثر من 80% من بساتين الزيتون تعتمد على الأمطار الموسمية، فإن الإنتاج يتأثر مباشرة بتقلباتها، مما يبرز أهمية إدارة الموارد المائية والتخطيط لمواجهة تغير المناخ وتأثيره في الزراعة والأمن الغذائي.

أما في لبنان، فقد تراجع موسم الزيتون بشكل حاد، إذ لا يتجاوز الإنتاج الحالي 10% من المعدل المعتاد. فقد تعرضت معظم أشجار الزيتون في المناطق الحدودية الجنوبية لأضرار جسيمة أو فُقدت كليًّا نتيجة للقصف الإسرائيلي الذي أدى إلى احتراق مساحات كبيرة من مناطق زراعة الزيتون، مما فاقم من خسائر المزارعين.

مرآة للوجع

هكذا تآزرت قسوة المناخ والحرب على شجرة واحدة، فأنهكتا ثمارها، لتشهد المنطقة تراجعًا حادًّا في الإنتاج وغلاءً غير مسبوق، معلنة عن أزمة تهدد رمزها الأخضر وذاكرتها الزراعية العريقة.

ورغم التحديات، يبقى الزيتون في بلاد الشام أكثر من شجرة؛ إنه رمز للصمود والهوية والذاكرة. لقد اجتازت تلك الشجرة عبر التاريخ الكثير من مواسم شح المطر والاعتداءات الصهيونية، وعادت تنمو وتزهر من جديد، فجذورها الصلبة تصل إلى المياه الجوفية، وتمكّنها من الصمود في وجه الجفاف، ولطالما نمت أغصانها مجددًا متحدية محاولات اقتلاعها.

باختصار، يمثل الزيتون حكاية الإنسان الشامي مع الأرض، قصة صبره وتحديه، إنها أمله الذي يزهر مع كل شتلة تُزرع، وكما قال محمود درويش:

لَو يَذكر الزَّيتون غَارسَه
لَصَارَ الزَّيت دَمعا
سَنَظَلّ في الزَّيتون خضرَتَه
وَحَولَ الأَرض درعا

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان