تراجع الهجرة إلى إسرائيل وتزايد الهجرة الخارجة منها

أشارت بيانات دائرة الإحصاءات الإسرائيلية الرسمية إلى تراجع أعداد المهاجرين الواصلين إلى إسرائيل في السنوات الثلاث الأخيرة، بينما تزايدت أعداد الهجرة العكسية الخارجة من إسرائيل في الفترة نفسها، وهو ما يمثل خطرًا ديمغرافيًّا على دولة تعتمد منذ نشأتها عام 1948 على الهجرة الواصلة، وتسعى من خلالها إلى تحقيق التفوق العددي لليهود على السكان الفلسطينيين، وهو ما لم يتحقق حاليًّا.
وباستعراض أعداد الهجرة الواصلة إلى إسرائيل خلال ستة وسبعين عامًا منذ عام 1948 وحتى العام الماضي، نجد أن أعلى عدد لتلك الهجرة كان عام 1949، حين بلغ عدد المهاجرين الواصلين 240 ألف شخص، معظمهم من اليهود، في ظل الموجة الأولى للهجرة، ليبلغ العدد 170 ألف شخص عام 1950 و175 ألف شخص عام 1951. وكانت الموجة الثانية لأكبر أعداد الهجرة إلى إسرائيل مع انهيار الاتحاد السوفيتي وهجرة اليهود من دوله إلى إسرائيل، ليصل عددهم إلى 200 ألف شخص عام 1990، و176 ألف شخص عام 1991، واستمر العدد السنوي للمهاجرين يفوق السبعين ألفًا في معظم سنوات عقد السبعينيات من القرن الماضي.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 2 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 3 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 4 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
وهكذا ارتبط عدد المهاجرين صعودًا وهبوطًا بالأحداث الدولية الكبرى، حيث هدأت موجة الهجرة إلى إسرائيل منذ عام 1958 وطوال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، لتصعد في عقد التسعينيات مع تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم تعود لتنخفض في العقد الأول من الألفية الجديدة، وكذلك في العقد الثاني منها، لتصعد مرة أخرى عام 2022 إلى 75 ألف شخص مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، ومجيء كثير من المهاجرين من البلدين إلى إسرائيل، حيث شكّل الروس نسبة 61% من المهاجرين في ذلك العام، والأوكرانيون 20%، لتتبقى نسبة 7% لدول الأمريكتين، و2% لآسيا، و1% لإفريقيا.
وتسببت الأحداث الدولية في تراجع أعداد المهاجرين إلى إسرائيل في عدد من السنوات، حيث كان أقل عدد سنوي للمهاجرين في ستة وسبعين عامًا سنة 1986، حين بلغ أقل من عشرة آلاف شخص، وهو ما ارتبط بأزمة الركود العالمي في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي وأزمة ديون أمريكا اللاتينية. وبلغ العدد أقل من أحد عشر ألفًا عام 1985 وأقل من 13 ألف مهاجر عام 1987.
الحرب الروسية تزيد الهجرة الواصلة
ارتبطت الفترة الثانية لانخفاض أعداد المهاجرين بحرب 1967، حيث بلغ العدد 14 ألف مهاجر في ذلك العام، وارتبطت الفترة الثالثة لانخفاض أعداد المهاجرين بالأزمة المالية العالمية ليصل العدد إلى أقل من 14 ألفا عام 2008، وأقل من 15 ألفا عام 2009، وكانت الفترة الرابعة لانخفاض أعداد المهاجرين في النصف الأول من العقد الثاني من الألفية الجديدة، الذي شهد ارتفاعًا في التضخم مع ارتفاع أسعار الطاقة، إذ قل العدد السنوي خلالها عن 17 ألف مهاجر.
وإذا كان عدد المهاجرين الواصلين قد زاد من 25.5 ألف مهاجر عام 2021 إلى 75 ألف مهاجر في العام التالي، بسبب الهجرة الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية، فقد أثرت حرب «طوفان الأقصى» التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 في تراجع أعداد المهاجرين إلى أقل من 47 ألف مهاجر خلال العام، ثم استمر التراجع مع استمرار الحرب في عام 2024 ليصل عدد المهاجرين خلاله إلى 31 ألف مهاجر فقط. وهكذا تسببت حرب غزة في تراجع عدد المهاجرين الواصلين في العام الأول للحرب بنسبة 38%، واستمرار التراجع في العام الثاني بنسبة 33% عما كانت عليه في العام الأول.
وشهد التوزيع النسبي للمهاجرين الواصلين عام 2023 قدوم نسبة 71% من روسيا، و5% من كل من الولايات المتحدة وأوكرانيا، و4% من بلجيكا، و1% من كل من الأرجنتين وهولندا وجورجيا وكندا وجنوب إفريقيا وأذربيجان.
كما شهد التوزيع النسبي للمهاجرين الواصلين عام 2024 قدوم نسبة 79% من الدول الأوروبية، أغلبهم من روسيا، ونسبة قليلة منهم من أوكرانيا وبيلاروس، و14% من الأمريكتين معظمها من الولايات المتحدة، ونسبة أقل من الأرجنتين والبرازيل وكندا، و4% من الدول الآسيوية خاصة جورجيا وأوزبكستان وأذربيجان، و1% من الدول الإفريقية معظمها من جنوب إفريقيا.
83 ألف هجرة عكسية العام الماضي
أما عن الهجرة العكسية الخارجة من إسرائيل، وفي ضوء البيانات المتوافرة منذ عام 2010 وحتى شهور العام الحالي، فقد ظل المعدل السنوي لها منذ عام 2010 وحتى 2020 يدور حول أربعين ألفًا، إذ تراوح بين 37 ألف مهاجر في المعدل الأدنى و44 ألفًا في المعدل الأعلى، لكن العدد تراجع إلى 34 ألف مهاجر للخارج عام 2021 في أعقاب أزمة كورونا.
ثم زاد العدد إلى 41 ألفا عام 2022، ثم تجاوز 59 ألف مهاجر في العام الأول لطوفان الأقصى، وإن كانت أعداد المهاجرين في الربع الأخير من العام أقل من أعداد الربع الثالث بسبب قيود السفر في المطارات خلال الحرب، ثم قفز العدد إلى 83 ألف مهاجر إلى الخارج في العام الثاني لحرب غزة، وخلال الشهور التسعة الأولى من العام الحالي بلغ عدد الهجرة العكسية أكثر من 56 ألف شخص.
وقد زاد العدد بعد الحرب مع إيران في يونيو/حزيران من العام الجاري، مع مشاهد هروب الكثيرين بحرًا إلى قبرص واليونان أثناء الحرب مع إيران، ليزيد عدد المهاجرين إلى الخارج من أقل من سبعة آلاف في يونيو/حزيران إلى أكثر من تسعة آلاف في الشهر التالي، ثم تخطى العدد عشرة آلاف في أغسطس/آب، ثم عاد إلى أكثر من سبعة آلاف في سبتمبر/أيلول.
ويرى الخبراء أن الهجرة العكسية قد زادت في أعقاب أزمة النظام القضائي وقبل حرب غزة، لكن الحرب التي كشفت سقوط خرافة «إسرائيل التي لا تُقهر»، وطالت مدتها لتصل إلى عامين، زادت من وتيرة الهجرة العكسية، التي ارتفعت أكثر بين القادمين من الدول الغربية للعودة إليها. كما تركزت في بعض المهن العلمية والتكنولوجية والأطباء والمهندسين، مما يجعلها هجرة عقول، خاصة مع خروج عدد من شركات التكنولوجيا ومعها ما بها من عمالة فنية، وهؤلاء يدفعون ضرائب أكبر مما يدفعه الحريديم، مما يقلل من الإيرادات الضريبية.
كذلك أشار التوزيع النسبي لأعمار المهاجرين إلى الخارج في العام الماضي إلى أن معظمهم من الشباب، حيث كان 39% منهم من الفئة العمرية الواقعة بين 25 و39 عامًا، و17% من فئة ما بين 45 و64 عامًا، و12% منهم من فئة ما بين 18 و24 عامًا.
ويشير باحثون إلى أن نحو ربع السكان قد فكروا في الهجرة مع طول فترة الحرب وبقاء قوات الاحتياط لفترات طويلة، كما يرون أن العدد الحقيقي للهجرة العكسية أكبر مما تذكره البيانات الرسمية، بسبب التعريف القانوني للهجرة الذي لا يحتسب كثيرين ممن يغادرون دون التنازل عن الجنسية، أو من يعودون لفترات قصيرة ثم يرحلون مجددًا.
حيث يعرف قانون الجنسية لعام 1952 المهاجر فقط بمن يتنازل رسميًّا عن جنسيته، وهو أمر نادر بسبب الامتيازات الكبيرة التي توفرها الدولة، كما أن قانون العودة لعام 1950 يعتبر من يغادر لأقل من 275 يومًا غير مهاجر، وإذا عاد في أي وقت يُسقط عنه احتساب الهجرة.
