الوطني والأيديولوجي في الديمقراطيات العربية
لماذا يرفض الغرب مشاركة الإسلاميين في إدارة بلدانهم؟

نستذكر جملة من الوقائع التاريخية لم يطوها التاريخ بعد، وننظر من خلالها في مواقف التيارات الأيديولوجية العربية وهي واقفة منذ نصف قرن على عتبة تأسيس الديمقراطية في أقطارها، وذلك في محاولة لفهم العطالة المزمنة التي تعيق تقدم الشعوب نحو بناء ديمقراطية، ولو بالحد الأدنى، تنهي الاقتتال الداخلي وتفسح لقدْر من الحريات، نقدر أنه القدر الضروري لبدء مسار حريات أكبر وأدوم يؤدي –بالقوة– إلى ديمقراطيات راسخة.
خط المقاومة الوطنية
يمكن بسهولة استخراج الرابط بين تجارب سياسية متباعدة جغرافيًّا، ولكن متفقة سياسيًّا على أن التنمية وبناء الديمقراطية مرتبطان –بالقوة– بعملية استكمال التحرير الوطني من الاستعمار. لذلك نؤمن بأن ما قام به محمد مصدق في إيران الخمسينيات من تأميم النفط وطرد الشركات الإنجليزية، وما قام به الناصريون في الفترة نفسها من تأميم القنال وبناء السد العالي وإنشاء الصناعات الثقيلة، وما قام به زعماء أفارقة مثل لومومبا من تقديم استكمال التحرير، وما قام به زعماء في أمريكا اللاتينية، كل هذه التجارب يجمع بينها –برغم الاختلاف الأيديولوجي بين الزعماء المذكورين– خط وطني استقلالي واع بدور الاستعمار الغربي في تخريب عمليات البناء الوطني للدول المستقلة حديثًا. كانت لديهم قراءة واضحة للمرحلة بأن انسحاب جيوش الاحتلال لا يعني الاستقلال التام عنه، لذلك وجب تحقيق الاستقلال التنموي بالسيطرة على الموارد الوطنية. وهو ما كان الاحتلال يرفضه ويخربه كلما أفلت زعيم من القبضة الاستعمارية بفكرة وبدأ تنفيذ برنامج استقلال فعلي. هناك اتفاق بين كل التحاليل اللاحقة بأن سلسلة الانقلابات العسكرية كانت عملًا من أعمال الاعتداء على السيادة والاستقلال، وهي أولًا اختراقات وإملاءات على نخب جديدة يتضح لكل ناظر أنها مصطنعة في مخابر الغرب السياسية وثكناته.
حتى موعد الربيع العربي بدا كأن الشعوب قد استسلمت لهذا القدر، الموجه سياسيًّا من الغرب، وقررت العيش تحت سقفه راضية بموقع هامشي بمنطق «ليس بالإمكان أفضل مما كان». بل قرأنا تبريرات كثيرة بأن عنف الأنظمة في المستعمرات القديمة ضروري لخلق حالات الاستقرار السياسي، وتردد السؤال: ماذا نفعل بالحريات إذا كانت ستجلب لنا الحرب؟ في هذا السياق كانت الثورة الإيرانية شذوذًا عن حالة الاستسلام، وكان تكرار الانقلابات العسكرية –خاصة في إفريقيا– علامة على أن هناك دومًا محاولات انعتاق تتعرض إلى التدمير المنهجي نفسه وبالوسائل نفسها.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
كان الربيع العربي انتفاضة على هذه الخطة التي دامت طويلًا ودمرت كثيرًا من القدرات. لقد ظهرت أجيال شابة رافضة وطموحة وواعية بالانسداد السياسي والفشل التنموي.
ولقد أصاب الربيع العربي ما أصاب الوقائع السابقة التي أعادت كشف الطموحات الوطنية، فأعيدت الشعوب مقهورة إلى النقطة نفسها التي كانت فيها قبله، وأهدرت الإمكانات بالطريقة نفسها. لكن في هذه الإخفاقات كلها تبلور المطلب الديمقراطي أكثر، وترسخت فكرة لدى قطاعات واسعة وهي تلازم الديمقراطية والحرية، فالاستقرار السياسي بالقمع لم يعد منتجًا لشيء مما تطمح إليه الشعوب.
حركة عميقة في الساحات السياسية الوطنية
تبين أيضًا أن الساحات السياسية في كل بلد –والساحات العربية منها بالخصوص– أنتجت أطروحات سياسية متنوعة: فيها يسار يمجد التجارب الاستقلالية مثل تجربة مصدق الإيراني، ولومومبا الإفريقي، والثورة الساندينية في نيكاراغوا، وفيها قوميون يمجدون التجربتين الناصرية والبعثية ويكبرون توجهاتها السيادية والاستقلالية، وفيها إسلاميون لا يختلفون مع السابقين في ما يرونه، ويزيدون عليه مشاريع استقلال ثقافي تؤسس على فكرة إسلامية واسعة. نظريًّا كانت هذه التيارات متفقة على مشروع استقلال وسيادة، ووضعها الربيع العربي –مجتمعة– على عتبة تحقيق ذلك بواسطة الصندوق الانتخابي غير المغشوش. لكننا أمام الصندوق الانتخابي فوجئنا بأمر عجيب.
لقد أصدر الغرب الاستعماري تعليماته بطرد الإسلاميين من الصناديق الانتخابية، ووجد مستمعين له يقولون بضرورة ذلك، فنجاح الإسلاميين يعني حصار التجارب الديمقراطية الناشئة. وهذه المرة كانت الاستجابة للأمر الغربي –الضمني مرة والصريح غالبًا– من قبل الأنظمة التي أسقطها الربيع العربي، والأخطر قبول النخب من التيارات الأيديولوجية (يسارًا وقوميين وليبراليين) بذلك، بل اغتنامه كفرصة للوصول إلى الحكم دون الإسلاميين. جميعهم قال نعم للديمقراطية، ولكن تحت الشرط الغربي بعدم تشريك الإسلاميين فيها.
لماذا يرفض الغرب مشاركة الإسلاميين في إدارة بلدانهم؟ وهل يختلف رفض الغرب للإسلاميين عن تقاليد الغرب في محاربة الحكومات الوطنية السابقة للربيع العربي ورضاه بكل متعاون معه؟ (أتهرب عمدًا من التوصيف بـ«العمالة»).
كيف يستقيم ليساري أو قومي دفاعه عن خط وطني استقلالي، ثم يقبل ديمقراطية مشروطة بأمر غربي حول من يشارك ومن يقصى؟ والأسوأ من ذلك: كيف يقبل أن يشارك الإسلاميون كقوة ناخبة فقط، ثم يركنون خارج السلطة؟ وهي خطة تعترف للإسلاميين بوجود فعلي قوي ومؤثر، ولكن دون حق في المشاركة في الإدارة. رمزيًّا، عليهم أن يعدوا الوليمة لآكلين آخرين، ويلحسوا القصاع.
الهروب من الأسئلة الديمقراطية
تتوارَد هنا أسئلة كثيرة على التيارات الأيديولوجية العربية أن تجيب عليها: هل يمكن أن تقوم ديمقراطية سليمة على فعل إقصائي، وفوق ذلك مُملى من قوة خارجية؟ أليست هذه استجابة سياسية من النخب مطابقة لاستجابة الأنظمة الانقلابية لشروط الغرب السياسية قبل الربيع العربي؟ إذن أين اختفى الخطاب الاستقلالي للتيارات الأيديولوجية العربية؟ ولماذا لم يسأل الأيديولوجيون العرب أنفسهم ما الذي يخيف الغرب في الإسلاميين لكي يملي شروطه بعدم إشراكهم في السلطة؟ هل هؤلاء الإسلاميون قوة وافدة على هذه الشعوب؟
يطيب للإسلاميين هنا تقديم إجابة قديمة عن هذا السؤال الجديد، وهي أن رفض الغرب لهم هو حرب على الإسلام، وهي إجابة تريحهم إذ تمنحهم بطاقة حماية الإسلام من الغرب، لكني معني بإجابة أوسع من ذلك.
إن رفض إشراكهم من جنس رفض مشروع مصدق الإيراني وبقية الحكام الوطنيين الذين ظهروا في أماكن كثيرة بمشروع استقلالي. هنا يفترض أن يتقدم الإسلاميون بصفتهم تيارًا وطنيًّا فيعلنوا أفكارًا استقلالية، ويقدموا برامج (ولو في الخطوط العامة) تفصل هذه الأفكار عمليًّا يخرجون بها من حديث الدفاع عن الإسلام، فالإسلام ملك مشاع بين الجميع وهو ليس في خطر.
يفترض أيضًا أن تخجل التيارات القومية واليسارية وكثير من الليبراليين قليلًا، فالقبول الغربي بهم دون غيرهم من المكونات الوطنية في عمليات البناء الديمقراطي يعتبر شهادة في العمالة لا شهادة في الوطنية. إنها من جنس قبول عباس حاكمًا وطنيًّا في الضفة ومحاربة حماس في غزة.
ديمقراطية عربية دون الإسلاميين هي تنفيذ عملي لإملاء غربي صريح، بل فيها تكليف بتنفيذ الإقصاء مطابق لتكليف العساكر الانقلابيين –في مرحلة سابقة– بضرب كل طموح للاستقلال والتحرر والتنمية، تكليف يبرئ الغرب برمته من تخريب الديمقراطية، إذ يحمل المهمة على عاتق قوى داخلية يمنحها شهادات اعتراف وتقدير، ودعمًا ماليًّا وسياسيًّا.
هنا نقف على الدرجة الصفر من الوعي السياسي للتيارات الأيديولوجية العربية، ولا نستنكف عن وصمها بخدمة الغرب ولو ألقت علينا ألف خطبة عن الاستقلال والسيادة. هنا أيضًا نقرر بألم أن الديمقراطية العربية ستتأخر حتى يصبح هؤلاء غير قادرين على تقديم هذه الخدمة للغرب، من قبيل حماية حدود الغرب من الهجرة غير النظامية. فليس نظام قيس سعيد من يفعل ذلك فقط، بل التيارات الأيديولوجية التي بررت له وحمته وهي تشنع عليه في مسرحية نفاق سياسي واسعة عارية من كل خلق سياسي. كأننا لا نفهم أن الموقع هو جوهر الخطاب.
