زهران ممداني.. المسلم الذي كسر أسطورة اللوبي الصهيوني

زهران ممداني (رويترز)

في مدينة لا تنام، وتتحكم في إيقاع العالم الاقتصادي والإعلامي، وقف شاب مسلم من أصول هندية ليعلن أن الخوف لم يعد سلاح النخبة الحاكمة، وأن صوت الشعوب يمكن أن يهزم المال والإعلام واللوبيات القديمة. فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك لم يكن حدثًا محليًّا، بل لحظة سياسية فارقة تعيد رسم خريطة القوة داخل المجتمع الأمريكي.

هزيمة منظومة كاملة

لم يخض ممداني معركة انتخابية عادية، بل تحدى منظومة متشابكة تجمع اليمين الترامبي، واللوبي الصهيوني، ورجال المال والإعلام. تلك المنظومة التي اعتادت منذ عقود أن تصنع نتائج الانتخابات قبل أن تُجرى، وتحدد من يُسمح له بالنجاح ومن يُقصى من المشهد.
لكن ممداني، القادم من خلفية يسارية التوجه، ومن عائلة مهاجرة، قلب القواعد كلها. اعتمد على دعم القواعد الشعبية، ونجح في مخاطبة جيل جديد لم يعد يثق في السياسيين التقليديين، ولا في الإعلام الذي يصنع لهم صورة مثالية عن القوة والهيمنة.

لقد حاول خصومه تحويل الحملة إلى معركة هوية، واستدعوا خطاب الخوف من الإسلام والعرب، لكن الناخبين ردوا بأنهم سئموا الخداع، وأنهم مستعدون لتجريب وجوه لا ترتبط بالمصالح القديمة. كان فوز ممداني بمثابة تمرين على استعادة الوعي العام من قبضة المؤسسات الكبرى.

جيل يكتب تاريخه بيده

لا يمكن فهم فوز ممداني دون النظر إلى التحولات العميقة داخل المجتمع الأمريكي. فجيل ما بعد الحروب والعولمة لم يعد يصدق رواية «الحرية» التي تبرر الحروب الخارجية، ولا يثق في المؤسسات التي تبرر الظلم الداخلي.
هذا الجيل يرى في العدالة الاجتماعية والمساواة الحقيقية طريقًا للحرية، لا في الشعارات الوطنية التي تُرفع في حملات انتخابية ثم تُنسى في مكاتب الشركات.
ممداني، بخلفيته المهاجرة، جسد هذا الوعي الجديد، وأعاد تعريف «النجاح الأمريكي» باعتباره ثمرة نضال، لا هدية من النظام.

اللوبي الصهيوني يخسر معركة الصورة

لم تكن خسارة اللوبي الصهيوني في نيويورك سياسية فحسب، بل كانت ثقافية وإعلامية أيضًا.
لسنوات طويلة، احتكر هذا اللوبي سردية الأخلاق في الخطاب الأمريكي، فكان من ينتقد إسرائيل يوصف بمعاداة السامية، ومن يتضامن مع الفلسطينيين يُتهم بالتطرف.
لكن ممداني قلب المعادلة، فرفع علم فلسطين في حملته الانتخابية، وتحدث عن غزة بلغة إنسانية لا تخضع لحسابات الممولين. لم يتراجع عن موقفه، ولم يبحث عن توازن زائف.
حين وعد بأنه سيسعى لاعتقال نتنياهو إن دخل نيويورك بتهم جرائم حرب، لم يقلها كشعار، بل كبيان سياسي يعبّر عن ضمير جيل جديد يرى أن العدالة لا تُجزّأ.

سياسة جديدة بلا وسطاء

اعتمد ممداني على شبكات التواصل الاجتماعي كمنصة أساسية لحملته، فبنى علاقة مباشرة مع الجمهور خارج وساطة الإعلام التقليدي.
كانت مقاطع الفيديو التي يخاطب فيها المهاجرين والعمال والطلاب تنتشر كالنار في الهشيم، لأنها كانت صادقة، تخاطب الوجع اليومي لا الأرقام الاقتصادية.
في المقابل، فشلت الحملات الممولة التي حاولت تشويهه، لأن الجمهور اكتشف أن المال لم يعد يشتري المصداقية.

رمزية الانتصار تتجاوز المنصب

قد لا يمتلك عمدة نيويورك صلاحيات مطلقة في السياسة الخارجية، لكن رمزية فوز ممداني تتجاوز حدود المدينة.
إنها إعلان عن كسر احتكار الصوت الواحد، عن نهاية الخوف من تهمة معاداة السامية، وعن بدء مرحلة جديدة في الوعي الأمريكي.
لقد أصبح المسلم الذي كان يُنظر إليه كـ«آخر» هو من يمثل وجدان المدينة الأكثر تنوعًا في العالم، وهذا وحده كافٍ ليجعل فوزه حدثًا تاريخيًّا.

حين تنتصر القيم على المصالح

الدرس الأعمق في فوز ممداني هو أن السياسة يمكن أن تعود إلى معناها الأخلاقي.
لقد أسقطت حملته فكرة أن المال يحدد مصير الانتخابات، وأثبتت أن الجماهير حين تمتلك الوعي يمكن أن تقلب موازين القوة.
بهذا المعنى، لم يكن ممداني مرشح حزب أو تيار، بل مرشح ضمير جمعي يبحث عن العدالة في زمن الخداع الإعلامي.

خاتمة

زهران ممداني لم يهزم خصومه فقط، بل هزم الفكرة التي كانت تحكم السياسة الأمريكية منذ نصف قرن: أن دعم إسرائيل قدرٌ لا يُمسّ، وأن النظام لا يُخترق.
لقد كسر أسطورة اللوبي الصهيوني لا بالشعارات، بل بالفعل الانتخابي الذي منح الأمل لملايين العرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة وخارجها.
فوز ممداني لم يكن مجرد انتقال في السلطة المحلية، بل إعلانًا عن ولادة زمن جديد، تُقاس فيه القيادة بالشجاعة الأخلاقية لا بحجم التمويل.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان