معاقبة مغتصب الأطفال بالإخصاء الكيميائي؟

العدالة الحقيقية تُستمد من مقاصد الشريعة لا من الغضب أو الانتقام (الذكاء الاصطناعي)

سألني بعض المتابعين عمّا يُثار هذه الأيام في دولة عربية، حيث طفت على سطح الأحداث جريمة اغتصاب أطفال، وقد اقترحت شخصيات حقوقية وناشطون في المجتمع المدني أن تُغلَّظ عقوبة من يمارس هذه الجريمة أو الاغتصاب بوجه عام، سواء مع الأطفال أو النساء، وأنه في الدول التي تخلو من حكم الإعدام، لا بد أن يلجأ المشرّع القانوني إلى عقوبة الإخصاء، سواء الدائم أو الإخصاء الكيميائي، ليكون ذلك رادعًا لمرتكبي هذه الجريمة. ولأن العقوبة متعلقة بجريمة للشرع فيها حكم، وله فيها عقوبة واضحة، فالسؤال المطروح: هل يجوز عقاب المغتصب بالإخصاء، سواء كان دائمًا أو مؤقتًا؟

عقوبة الزنى عن تراضٍ

بدايةً، فإن الزنى جريمة وفاحشة كبرى يمقتها الإسلام، وشدّد في النكير على الجريمة وفاعلها، رجلًا كان أم امرأة، وسنّ تشريعات وعقوبات بحسب حالة المرتكب لها، سواء كانت عقوبة أخروية أو دنيوية، وساوى فيها بين الفاعل، ذكرًا كان أم أنثى، على خلاف العادات والتقاليد والأعراف السائدة لدى بعض الشعوب والثقافات.

ويُفرّق الفقه الإسلامي بين الزنى بالتراضي والزنى بالإكراه، ويرتّب لكل منهما عقوبة مختلفة عن الآخر؛ فعند رضا الطرفين بالجريمة، تكون العقوبة إمّا الجلد لغير المحصن، لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (النور: 2). والمحصن –في قول الجمهور– يُرجم، وهناك رأي يكتفي بعقوبة آية النور، وأنها عامة في الزناة جميعًا، وأن عقوبة الجميع الجلد، محصنًا كان أم غير محصن.

عقوبة المغتصب الإعدام

أما الزنى بالإكراه، وهو الاعتداء الجنسي، فعقوبته الإعدام. وقد أدخله القائلون بهذا القول في باب «الحرابة»، الذي قال فيه تعالى: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (المائدة: 33). فمن سعى في الأرض فسادًا بالقتل، أو السرقة بالإكراه المسلح، أو الزنى بالإكراه، فجزاؤه الإعدام.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وهو ما اتجهت إليه دار الإفتاء من قديم، وذلك بعد أن وقعت جرائم اغتصاب في مصر روّعت المجتمع، وأفردت لها الصحافة المصرية مساحة كبيرة، وأحدثت رأيًا عامًّا غاضبًا، فصدرت عنها في هذا التوقيت، وعن الأزهر والمجامع الفقهية المصرية، الفتوى التي أخذ بها القانون المصري، بتنفيذ عقوبة الإعدام في المغتصب، وفي تاجر المخدرات، لأن القاتل الذي يقتل بالسلاح يقتل شخصًا، بينما من يتجر بالمخدرات فهو يقتل عشرات الناس، فاستحق هذه العقوبة.

العقوبة بالإخصاء الكيميائي

وهذا التشريع الفقهي والقانوني لا يوجد في عدد من الدول العربية، وهو ما جعل المنظمات الحقوقية –التي بدأت ترى جرأة في هذه الجريمة وتكرارها– تفكر في عقوبة أخرى بديلة عن الإعدام الذي لا يوجد في بلادها. ومن العقوبات التي يمكن أن تكون رادعة للمجرم أن يُعاقب من جنس جريمته، وذلك بالإخصاء، حتى يعيش بقية حياته معدوم الشهوة التي جعلته فاقدًا لآدميته، فراح يمارسها بهذا الشكل مع الأطفال وغيرهم.

وهناك عقاب نُفِّذ في عدد من الدول يسمى الإخصاء الكيميائي، ويكون بإعطاء المجرم حقنة أو عقارًا يصيبه بالشلل الجنسي مدة تتراوح بين عام وثلاث سنوات، ثم بعد ذلك يعود لحالته الجنسية الطبيعية، وبذلك يُخشى من العودة لجريمته بعد ذلك.

ورغم خطورة وجسامة الجريمة التي تُرتكب في الاغتصاب، سواء بحق الأطفال أو النساء أو الرجال، فإن العقوبة لا بد أن تكون موافقة للشرع الإسلامي. فلم يرد في الشرع العقوبة بقطع عضو الجريمة، فلا يُقطع من شارب الخمر فمه، ولا يُقطع من الزاني والزانية عضواهما. ولم يرد في الشرع قطع سوى يد السارق عقوبة له، أو الأيدي والأرجل من خلاف لمن مارس جريمة الحرابة، وذلك لمن مارس السرقة المسلحة. والحدود وعقوباتها ليست محلًّا للقياس أو الاجتهاد الخارج عن نصوص الشرع في العقوبة.

ولذا لا نجد في الفقه الإسلامي عقوبة الإخصاء إلا في حالة واحدة، وهي حالة القصاص؛ أي حين يعتدي إنسان بالضرب أو القطع على خصية شخص آخر، أو خصيتيه معًا، أو عضوه الذكري، أو عضو الأنثى. وفي تفاصيل ذلك خلاف، كما بيّنت «الموسوعة الفقهية الكويتية»، حيث قالت: «ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القصاص يجري عند توافر شروطه في الأنثيين (الخصيتين) لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}، فيُقطع الأنثيان بالأنثيين؛ لأنه ينتهي إلى حدٍّ فاصل يمكن القصاص فيه، فوجب فيه القصاص. وألحق الشافعية إشلال الأنثيين ودقّهما بالقطع في وجوب القصاص».

والإشلال الذي ذكره الشافعية هنا هو أن يضرب الجاني إنسانًا على خصيتيه فيصيبهما بشلل يعطلهما عن عملهما، سواء كان دائمًا أو مؤقتًا حسب الحالة. وهي تفاصيل كما نرى ناقشها الفقهاء في حالة التعدي المباشر على أعضاء الإنسان ذكرًا كان أم أنثى، ولم تخرج النقاشات الفقهية في هذا السياق عن سياق العقوبة في القصاص، وليس في مجال الزنا سواء كان بالتراضي أم بالإكراه.

عقوبة غير شرعية

وبناءً على ذلك، فإنه ليس من الجائز شرعًا أن نسن عقوبة لجريمة بيّن الشرع العقوبة المناسبة لها، بوضع عقوبة أخرى تتعارض مع ما أرساه الشرع، وإن كانت الجمعيات الحقوقية ترغب في عقوبة رادعة، فقد وضعت الفتوى والتشريع القانوني المصري عقوبة الإعدام ردعًا لهؤلاء المجرمين، وفيها الرادع الكافي، دون الذهاب إلى عقوبات ربما تتفق مع أعراف وتقاليد بعض القبائل والشعوب، لكنها لا تتفق مع مقاصد الشريعة ونصوصها، ومن ذلك الإخصاء، سواء الدائم أو المؤقت، بما تعورف عليه بالإخصاء الكيميائي.

وأعتقد أن عقوبة الإعدام في جرائم الاغتصاب، تتناسب مع بشاعة الجرم، وبخاصة حين تُمارس مع أهل الضعف كالأطفال، أو ذوي الاحتياجات الخاصة، أو المريضة التي لا تقوى على الدفاع عن نفسها، أو النزلاء الذين يُطلب من الشخص حمايتهم، فيقوم بالتعدي عليهم جنسيًّا بالإكراه، مستغلًّا حالة الضعف. ويزداد الاقتناع بالعقوبة عند تكرار ذلك من المعتدي.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان