هل أصبحت عودة السوريين من ألمانيا حتمية؟

قراءة في تصريحات المستشار الألماني 

المستشار الألماني (الفرنسية)

يبدو أن المستشار الألماني، الذي لم ينجح بعد في حل الملفات الإصلاحية التي وعد بها الناخبين أثناء حملته الانتخابية، وجد في ملف اللاجئين ساحة بديلة لتوجيه الأنظار. فقد استأثر هذا الملف باهتمامه في الفترة الأخيرة، وأطلق سلسلة من التصريحات المثيرة حول المهاجرين، محمّلًا إياهم مسؤولية عدد من المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها ألمانيا. ووفقًا لتصريحاته، فإن وجود اللاجئين –وخاصة السوريين– قد غيّر الطابع التقليدي للمدن الألمانية، وخلق أعباء إضافية على الخدمات العامة.

تصريحات مثيرة وتحوّل في الموقف الرسمي

جاءت أحدث تصريحاته عقب زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول لسوريا ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، حيث أعلن المستشار أنه «لم تعد هناك أسباب مقبولة لقبول لاجئين سوريين جدد»، وطالب باستئناف عمليات الترحيل إلى سوريا. كما أشار إلى عزمه دعوة الرئيس السوري إلى زيارة برلين لبحث هذا الملف.

الحقيقة أن هذه التصريحات تبدو متعجلة، وتأتي في سياق محاولة المستشار صرف الأنظار عن الانتقادات المتزايدة التي تُوجَّه إليه بسبب فشله في معالجة الأزمة الاقتصادية وتراجع شعبيته، إلى جانب صعود اليمين المتطرف على حساب حزبه.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وزير الخارجية فاديفول، الذي عاين الدمار في سوريا بنفسه، صرّح قائلًا: «من الصعب لأي شخص أن يعيش هنا بكرامة وسط هذا الدمار، لكن من المهم الآن العمل على إعادة المخالفين والمجرمين فقط، وعددهم قليل نسبيًّا».

هذا يضع المستشار في حرج بالغ، ويزيد من شدة المعارضة التي ترفض تصريحاته، خاصة من حزبي الخضر واليسار. فقد وصفت رئيسة حزب الخضر فرانزيسكا برانتنر الموقف بأنه «مثير للقلق»، وتساءلت عن كيفية دعم المستشار لتصريحات متناقضة مع الحقائق الميدانية التي رآها الوزير بنفسه. أما رئيس حزب اليسار يان فان آكن، فقال إن «زيارة سوريا تكشف بوضوح أن البلد مدمر بالكامل، ومن المبكر الحديث عن الترحيل».

اللاجئون بين الاتهام والواقع العملي

يرى عدد من الخبراء أن الموقف القانوني من ترحيل السوريين معقد، إذ يؤكد أستاذ القانون الألماني فينفرد كلوث أن الترحيل ممكن من الناحية النظرية حتى إلى بلدان مدمّرة، ولكن فقط إذا توفر «الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم». ونظرًا لتفاوت الأوضاع بين المناطق السورية، فإنه من الضروري –بحسبه– دراسة كل حالة ترحيل على حدة.

من اللافت أن المستشار الألماني يكرر في خطاباته اتهام اللاجئين والمهاجرين بأنهم أثّروا سلبًا في النظام الاجتماعي، وصعّبوا الحصول على مواعيد طبية، بل وادّعى أنهم يستفيدون من المساعدات دون وجه حق. غير أن الواقع الميداني يقدم صورة مغايرة تمامًا.

فبحسب إحصاءات رسمية، يعمل في ألمانيا حاليًّا نحو سبعة آلاف طبيب سوري، كثير منهم في مستشفيات المدن الصغيرة، مما جعل اتحاد المستشفيات الألمانية يحذر من عواقب عودتهم المحتملة، إذ سيؤدي ذلك إلى أزمة حقيقية في قطاع الرعاية الصحية.

كما أظهرت دراسة نُشرت عام 2024 أن عودة السوريين إلى بلادهم ستفاقم نقص اليد العاملة في قطاعات حيوية مثل الصحة والنقل. وقدّرت الدراسة عدد السوريين العاملين في السوق الألمانية بنحو 287 ألف شخص، أي ما يعادل 0.6% من إجمالي القوى العاملة، وترتفع النسبة إلى 0.8% عند احتساب من حصلوا على الجنسية الألمانية. وأشارت الدراسة إلى أن عددًا كبيرًا من السوريين الذين وصلوا بعد عام 2015 ما زالوا في مراحل التعليم أو التدريب المهني تمهيدًا للالتحاق بسوق العمل.

الجدير بالذكر أن المستشار السابق أولاف شولتس كان قد تبنّى موقفًا أكثر إنسانية، إذ أعلن بعد هروب الأسد أن «كل من اندمج في المجتمع الألماني ويتحدث اللغة ولديه عقد عمل يمكنه أن يشعر بالأمان»، مؤكدًا أن هذا يشمل السوريين أيضًا. لكنه أضاف في الوقت نفسه أن اللاجئين غير المندمجين أو الذين يخالفون القوانين قد يخضعون لإجراءات مختلفة.

هل أصبحت العودة حتمية؟

التحولات السياسية الأخيرة في برلين تشير إلى تغيّر واضح في السياسة اتجاه اللاجئين. فقد كشفت بيانات حكومية أن عدد المرحّلين خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي بلغ 17,651 شخصًا، وهو رقم يعكس تشددًا غير مسبوق في هذا الملف. ويؤكد المستشار فريدريش ميرتس أن حكومته «لن تتساهل مع أي مهاجر لا يمتلك تصريح إقامة أو وظيفة، أو لا يلتزم بالقوانين»، مشددًا على أن الترحيل سيكون فوريًّا في هذه الحالات.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن العودة الجماعية للسوريين لا تزال غير واقعية، فالوضع الأمني والمعيشي في سوريا لم يصل بعد إلى مرحلة الاستقرار التي تتيح عودتهم بأمان. كما أن الاقتصاد الألماني، الذي يعاني أصلًا من نقص في اليد العاملة، لا يحتمل خسارة عشرات الآلاف من العمال المؤهلين الذين يساهمون في تشغيل المرافق الحيوية.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن تصريحات المستشار الألماني الأخيرة لا تتجاوز حدود المناورة السياسية، وأن الحديث عن «عودة حتمية» للسوريين لا يستند إلى أرضية عملية أو إنسانية. فبين واقع الدمار في سوريا من جهة، واعتماد ألمانيا المتزايد على العمالة السورية من جهة أخرى، تبقى العودة –في المدى المنظور– أبعد ما تكون عن الحتمية، وأقرب إلى ورقة ضغط داخلية في مشهد سياسي متأزم.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان