أجواء الستينيات التحررية إذ تنبعث من جديد

القمة الأفريقية أدانت جرائم إسرائيل في قطاع غزة
القمة الإفريقية (رويترز)

جملة من التطورات السياسية شهدتها قارتا إفريقيا وأمريكا اللاتينية خلال الأيام والشهور القليلة الماضية، تتمحور حول عودة روح التحرر التي سادت القارتين خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، والتي أسفرت من قبل عن تحرر دول القارتين من الاستعمار الغربي، كما أسفرت عن ولادة منظمة عدم الانحياز، ومجموعة الـ77 للتنمية الاقتصادية المشتركة، وأسفرت أيضا وهذا هو الأهم بالنسبة لنا عن موقف حازم ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

يوم الأحد الماضي أنهى الاتحاد الإفريقي أعمال قمته السابعة والثلاثين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وحمل بيانه الختامي قبسا من هذه الروح، حيث خصص قسما من توصياته للمطالبة بحقوق متأخرة للأفارقة على الدول الاستعمارية السابقة، كما أعلن دعمه لكوبا في مواجهة الحصار الأمريكي المفروض عليها منذ عام 2017، الذي تجدد مؤخرا، لكنه -وهذا هو الأهم أيضا- خصص قسما كبيرا من بيانه الختامي لدعم القضية الفلسطينية تضمن 24 توصية، تدين العدوان الإسرائيلي على غزة، وممارسة سياسة التطهير العرقي، والعقاب الجماعي، كما ترفض أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية، وأي مسعى لتهجير الفلسطينيين، وتؤكد حق الشعب الفلسطيني في التحرر، وإقامة وطنه المستقل وعاصمته القدس الشريف، كما تطالب دول الاتحاد الإفريقي بإيقاف جميع العلاقات التجارية والثقافية والعلمية المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل. وتطالب أيضا بمعاقبة إسرائيل على جرائم الإبادة الجماعية في غزة، ودعم دور محكمة العدل الدولية في هذا الصدد.

جنوب إفريقيا وناميبيا

لنتذكر أيضا أن دولة جنوب إفريقيا هي التي رفعت الدعوى لمحاكمة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وأتبعتها بدعوى أمام محكمة الجنايات الدولية وهذه الأخيرة هي التي أصدرت أوامر توقيف لنتنياهو ووزير دفاعه السابق غالانت، وقد انضمت العديد من الدول الإفريقية واللاتينية إلى الدعويين أمام محكمتي العدل والجنايات الدوليتين، في مجابهة واضحة للنفوذ الأمريكي الغربي الاستعماري، الذي تحرك لتأديب قضاة المحكمة عبر فرض عقوبات عليهم، وهي العقوبات التي لم ترهب القضاة حتى الآن، كما أعلنت واشنطن أيضا فرض عقوبات على جنوب إفريقيا لدفعها لسحب دعواها من محكمة العدل، إلا أن الأخيرة أعلنت استمرارها في متابعة القضية.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لم تكن الانتفاضة الإفريقية الجديدة مقتصرة فقط على جنوب إفريقا بل إن ناميبيا وهي الدولة الأصغر مساحة وسكانا (2,5 مليون) دخلت على الخط في مواجهة ألمانيا التي دعمت العدوان الإسرائيلي على غزة، كما دعمت الموقف الإسرائيلي في محكمة العدل الدولية، وأشهرت ناميبيا مجددا في وجه ألمانيا قضية “الإبادة الجماعية” التي ارتكبتها بحق مواطنيها خلال فترة الاستعمار، وهو ما سبق أن اعترفت به برلين، ووافقت على دفع تعويضات بسببه عام 2021.

التحرك الأكبر المعبر عن الروح التحررية الجديدة هو تشكيل مجموعة لاهاي المؤلفة من تسع دول خمس منها من أمريكا اللاتينية والكاريبي هي كولومبيا، وكوبا، وهندوراس، وبوليفيا، ومملكة بيليز، وثلاث دول إفريقية هي جنوب إفريقيا والسنغال وناميبيا، ودولة آسيوية واحدة هي ماليزيا، وهذا التكتل الجديد تأسس خصيصا لدعم القضية الفلسطينية في مواجهة التحالف الغربي الداعم للكيان الصهيوني، ورغم عدم التكافؤ بين التكتلين، فإن هذا التكتل يمثل تحديا كبيرا للغرب الاستعماري من جهة، كما يمثل حلفا تحرريا سيتسع مع الوقت في ظل انبعاث الروح التحررية مجددا.

طرد فرنسا ومواجهة واشنطن

وقبل هذه المظاهر التحررية التي فجرها العدوان الإسرائيلي على غزة، فإن عدة دول إفريقية تحركت على مدى العامين الماضيين للتخلص من بقايا الاستعمار وأجبرت فرنسا على سحب قواتها منها مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى، كما انسحبت فرنسا نهاية يناير/كانون الثاني الماضي من آخر قواعدها في تشاد، وأعلنت خلال الأسبوع الماضي عن اتفاقها مع السنغال لسحب قواتها بحلول نهاية العام الحالي.

أما دول أمريكا اللاتينية التي تعد الحديقة الخلفية لواشنطن، فقد اتخذت مواقف متقدمة لدعم حق الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، والتنديد بالإبادة الجماعية، إذ أعلنت كولومبيا وبوليفيا قطع علاقاتهما الدبلوماسية مع “تل أبيب”، وسحبت البرازيل وتشيلي سفيريهما، وانضمت الأخيرة إلى جانب نيكاراغوا في دعوى جنوب إفريقيا ضد “إسرائيل” أمام محكمة العدل الدولية، كما شاركت 5 دول جنوب أمريكية في تأسيس مجموعة لاهاي أي أنها أكثر من نصف عدد المؤسسين (9 دول).

وأسهمت السياسات العدوانية الجديدة للرئيس الأمريكي ترامب في تصاعد المشاعر المعادية للصلف الأمريكي لدى شعوب دول أمريكا اللاتينية، ورغم تباين مواقف الحكومات اللاتينية حاليا بين تشدد وتهاون اتجاه سياسات ترامب، فإن المواقف الشعبية قد تدفع الحكومات المتهاونة إلى تصعيد مواقفها خلال الفترة المقبلة، كما ستدفع سياسات ترامب هذه الحكومات إلى تنويع شراكاتها السياسية والاقتصادية بعيدا عن الارتهان لواشنطن، وستكون الصين وأوروبا وحتى روسيا هي الوجهات الجديدة لهذا التنويع، وقد تسهم سياسات ترامب أيضا في عودة اليسار إلى حكم بعض الدول اللاتينية؛ مما يعضد جبهة المناوئين لواشنطن.

تتعدد أسباب هذه العودة إلى السياسات التحررية من بقايا الاستعمار القديم أو التحرر من الاستعمار الجديد، مثل ارتفاع الوعي لدى الشعوب الإفريقية، والجنوب أمريكية، وإدراكها لحجم النهب لثرواتها الذي لا يزال يمارسه الاستعمار القديم عبر اتفاقيات تعاون اقتصادي وعسكري ممتدة، لكن السبب الأهم والأحدث الذي فجر براكين الغضب هو طوفان الأقصى، الذي أعاد التذكير بقوة بالقضية الفلسطينية باعتبارها من مخلفات  ذلك الاستعمار، كما أعاد التذكير بالوجه القبيح للاستعمار الذي تسابقت عواصمه إلى دعم الاحتلال الإسرائيلي، وهي في الوقت نفسه تواصل استغلالها لثروات وموارد الدول الإفريقية والجنوب أمريكية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان