من الطفرة إلى الرقمية: كيف غيّر “جيل زد” قواعد اللعبة؟

هل شعرت يومًا أن الزمن قد سرق منك سنوات دون أن تدري، خاصة إذا كنت من مواليد ما قبل الألفية؟
لا تنزعج، فكلنا في الأمر سواء. استيقظنا ذات يوم لنجد أنفسنا قد كبرنا دون أن نشعر، وصِرنا رجالًا ونساءً في منتصف العمر، ينادينا جيل أصغر بـ”أنكل” و”طنط”! لم نعد محط أنظار العالم كما كنا، فقد جاء دور جيل آخر ليستحوذ على الاهتمام، وهو الجيل الذي وُلد بين أواخر التسعينيات وحتى عام 2012، “جيل زد”، ذلك الجيل المثير للجدل، متقلّب المزاج، حادُّ الطباع، الذي يتردد بكثرة في مختلف الأحاديث، وغالبًا ما يكون مصحوبًا بالجدل والتساؤلات.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
أعلم بالطبع أنها سنة الحياة، ولكل جيل بصمته وتجاربه التي ينفرد بها، لكن الفجوة بين الأجيال دائمًا ما تكون محل جدل ونقاش، وكما هو الحال في كل عصر، يتحسر الكبار على زمن مضى، يندفع الصغار نحو المستقبل بكل إقدام وحيوية دون اكتراث لما كان، وهكذا تتكرر المقارنات بين “جيل الأمس” الذي يفتخر بمثابرته وكفاحه، و”جيل اليوم” الذي يُتهم بالكسل والنرجسية، والاعتماد المفرط على التكنولوجيا والأجهزة الحديثة.
تسلسل الأجيال عبر العقود
في السنوات الأخيرة تردد اسم “جيل زد” بكثرة في الأحاديث، فهذا الجيل الذي ولد في ظل التكنولوجيا الحديثة، استطاع أن يفرض وجوده بقوة، متجاوزًا بذلك الأجيال السابقة من حيث التفاعل والانتشار.
تسمية “جيل زد” تأتي ضمن تسلسل زمني بدأ بـ”جيل إكس” الذي أعقب جيل الطفرة “البومرز”، وهم الجيل الذي ولد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بين عامي 1946 و1964 ثم جاء بعده جيل “واي” المعروف أيضًا باسم “جيل الألفية”، ويشمل الأشخاص المولودين تقريبًا بين أوائل الثمانينيات إلى أوائل الألفية الجديدة، وبطبيعة الحال تبعه الجيل التالي، الذي أطلق عليه “جيل زد”. الذي يعرف بالشباب الذين ولدوا بين أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ونشأوا في عالم رقمي لا يعرف الحدود. حيث أصبحت الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية وتقنيات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، شريكًا في حياتهم اليومية. مما جعلهم أكثر تفاعلًا مع التكنولوجيا وأكثر قدرة على مواكبة التطورات الحديثة، فهم أكثر الأجيال تكيفا مع التطورات الرقمية، حيث يستخدمون الأجهزة الحديثة والتقنيات المتطورة بمهارة وفاعلية، كما يمكن لخبرتهم التقنية أن تكون عاملًا محوريًا في تطوير الشركات وزيادة الإنتاج.
“جيل زد” والقضايا العالمية
لا يمكننا تجاهل أن “جيل زد” ولد وسط تحديات ضخمة، بدءًا من الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية وصولًا إلى تغير المناخ وجائحة كوفيد-19 والحروب المدمرة، وقد أظهر هذا الجيل صلابته في مواجهته هذه الأزمات، من خلال وعيه المتزايد واهتمامه بالقضايا العالمية، ولا سيما القضية الفلسطينية التي كانت محط اهتمامه الكبير.
وسط هذا الزخم من التحديات، ظهر وعي هذا الجيل كقوة لا يستهان بها، فصار أكثر إدراكًا لقضايا العالم، وأكثر انخراطًا في النضال من أجل العدالة.
ولم يكن دعمه للقضية مجرد تعاطف عابر، بل موقف ثابت ظهر بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي. حيث تجاوز وسم “#FreePalestine”، أو فلسطين حرة، أكثر من 35 مليون مقطع “فيديو” على تطبيق “تيك توك”، و11.1 مليون منشور على “إنستغرام”، هذا التفاعل الكبير من قبل الشباب دليل على جيل يؤمن بعدالة قضيته ويرفض أن يكون مجرد متفرجًا على مجريات الأحداث.
وبالنظر إلى واقع الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، نجد أنهم يظهرون تعاطفًا وانخراطًا مع القضايا العالمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فهم يعبّرون عن مواقفهم بجرأة عبر منصات رقمية باتت اليوم أداة تأثير قوية تفوق أي وقت مضى.
وهذا يؤكد أن “جيل زد” لا يقتصر اهتمامه على قضايا التكنولوجيا والابتكار فحسب، بل يمتد إلى القضايا الإنسانية والاجتماعية، مؤكدًا بذلك أنه جيل فعال يسهم في تشكيل ملامح المستقبل.
أي أن لهم جوانب إيجابية مضيئة، لا سيما حملات المقاطعة التي شنوها ضد كبرى العلامات التجارية المساندة للكيان الصهيوني، التي كبدته خسائر فادحة.
انتقادات ومخاوف
لكن، ورغم الجوانب المضيئة، يعيش أبناء “جيل زد”، حالة من التشتت بين الواقع والخيال الافتراضي، حيث لم تعد العلاقات الاجتماعية تعتمد على اللقاءات المباشرة، بل عبر المحادثات الرقمية والرموز التعبيرية، ولم يعد الانتماء إلى المجتمع مرتبطًا بالمكان الجغرافي، بل أصبح افتراضيًا، تحدده الخوارزميات والاهتمامات المشتركة.
يرى العديد من أفراد الأجيال الأكبر سنًا في هذا التحول خطرًا يهدد التفاعل الاجتماعي، كما يرون في هذا الجيل أنه يفتقر إلى النشاط البدني والاجتماعي، فبدلًا من ممارسة الأنشطة التقليدية كركوب الدراجات والجري أو الذهاب إلى صالات الألعاب الرياضية، يفضل أفراد هذا الجيل البقاء في منازلهم، وقضاء الوقت في لعب ألعاب “الفيديو” على أجهزة “بلايستيشن” أو تصفح “الإنترنت”. حتى أبسط الأنشطة الاجتماعية الحياتية، كالتسوق والطهي، باتت تتم بضغطة زر، ما يجعلهم أقل اعتمادًا على التفاعل الواقعي وأكثر ارتباطًا بالعالم الرقمي.
ومكمن الخطورة أن أبناء هذا الجيل سوف يصبحون قادة المستقبل عما قريب، ولذلك يجب احتواؤهم وإصلاح بعض سلوكياتهم حتى نتجنب مخاطر كثيرة في المستقبل.
