حرق المصحف.. لماذا يتكرر دفاع الغرب عنه؟

يتكرر تدنيس المصحف أو حرقه كثيرًا وسط تأييد غربي وتبرير وتغاضٍ، وتنديد فقط بمن يعترضون على ذلك، ودائمًا يرفعون شعار حرية الرأي، وهم الذين يملؤون الدنيا صراخًا عند المساس بما يصفونه بالعداء للسامية.
اللافت للنظر أن البعض يتعمد اختيار المناسبات الدينية للمسلمين؛ مثل شهر رمضان وأعياد المسلمين والحج ليقوم بحرق القرآن كالذي قام بإحراق المصحف أمام مسجد في يوم عيد الأضحى عام 2023. وفي عام 2021 نشر السياسي الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز فيديو على توتير بعنوان: لا للإسلام لا لرمضان حرية لا للإسلام.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ويتزايد ضجيج إعلامي بعد أي حرق أو الإساءة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ويهاجمون غضب المسلمين ويصفونهم بأعداء الحرية!!
نتساءل: ما كل هذا “الغلّ” ضد دين آخر؟ لم يحاول أحد إجبارهم على اعتناقه ولا يتصدر معتنقوه العالم، ولا يستولون على حقوق أحد ولا يحتلون أي بلد في العالم.
حديقة وغابة
نتوقف عند تصريح جوزيب بوريل رئيس السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي: أوروبا حديقة، في حين أن معظم بقية العالم عبارة عن غابة!!
ولا أحد من “المتحضرين” يحرق أو يمزق شيئًا في حديقة؛ فما بالنا بمن يحرق “زهور” غيره؟
ولم نسمع اعتراضه على تجريم العداء للسامية في أوروبا وأمريكا وكأنهم وحدهم الأحرار في “غابتهم”.
لا يقتصر تعمّد الاستهانة بمعتقدات المسلمين على تكرار حرق كتابهم المقدس؛ فقد رأينا إنتاج فيلم مسيء إلى النبي بعنوان “براءة المسلمين”، وكررت مجلة شارلي إبدو الفرنسية نشر رسوم كاريكاتورية تسيء إلى الإسلام وإلى النبي وتجاهلت الاحتجاجات، ورفض رئيس فرنسا محاسبتها ودافع عن حرية الرأي وانتفض “غضبًا” من رسم لصحيفة روسية يسخر منه، وطالب بمحاسبتها!!
ومنع الغرب وأمريكا سعيًا لإصداره مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إدانة لحرق القرآن الكريم، رغم “اليقين” بإجماع المسلمين على تقديسه.
هدف سياسي
وذلك بينما تعرض الكثيرون للحظر على وسائل التواصل الاجتماعي لاعتراضهم على إبادة غزة “بالكلام” فقط، وتعرضت مظاهرات ضد إبادة غزة للمضايقات الأمنية.
يرى البعض أن تشجيع حرق القرآن له هدف سياسي لعزل المسلمين عن باقي الأديان وتبرير أي اعتداء عليهم وتحدي مشاعر ملياري مسلم، وتجاهل أنه لا يوجد دين يبرر إهانة معتقدات الآخرين وتصويرهم وكأنهم أشرار يتبعون تعاليم غير إنسانية، كما قال من حرق المصحف منذ أيام أمام السفارة التركية في لندن واصفًا إياه بأنه كتاب فظيع وشرير وأنه يشعر “بالمرح” لحرقه!!
وقد رفضت حكومة السويد السماح بحرق التوراة ومنحت الكثيرين الإذن بحرق القرآن وقامت بحمايتهم، وندد الكثيرون بالاحتجاجات على حرق القرآن واعتبروها عدوانا على حرية الرأي وقبلوا وتسامحوا مع العدوان على عقائد المسلمين.
دعم وتبرير
كتب مارتن شولتر أستاذ القانون المدني في جامعة استوكهولم أن وصف المسلمين بالمجرمين يعد إجرامًا، أما حرق القرآن الكريم فليس هجومًا على المسلمين وفقا للقانون ولكنه هجوم على الدين الإسلامي.
والقانون لا يُجرمه لأن هدف الهجوم ليس موجهًا ضد مجموعة!! وهذا ميزة وليست عيبًا في القانون السويدي! وإن أكد رفض الاستهزاء بأي دين، وبرر قيام الرجل الذي مزق صفحات القرآن قبل حرقه بأنه يبدو مريضًا عقليًّا!!
كتب هذا التلاعب بالألفاظ لتبرير حرق القرآن، ودعم وقوف الشرطة في استوكهلم تتفرج على تدنيس القرآن.
واستنكر ستيفن جولفر في صحيفة “الديلي ميل” القبض على من فعل ذلك أو تعريضه لمحاكمة أو سجن، وقال تاج هارجي مدير معهد أُكسفورد للإسلام البريطاني لصحيفة “ديلي تلغراف”: من المذهل أن حزب العمال غير الشعبي يضحي بحرية التعبير لاسترضاء العمال الأصوليين الإسلاميين.
ركل وحرق
في عام 2010 توعد القس الإنجيلي الأمريكي تيري جونز بحرق المصاحف خارج كنيسته في ولاية فلوريدا وبعدها بعام قام أتباعه بحرق المصاحف.
وفي قاعدة أمريكية بأفغانستان أحرق بعض جنود حلف الأطلسي نسخًا من القرآن الكريم وألقوها في حاوية للقمامة عام 2012، وتبعت ذلك احتجاجات دامية.
واهتمت صحيفة “نيويورك تايمز” بمقتل سلوان موميكا المسيحي العراقي الأصل الحاصل على الجنسية السويدية، الذي قام بركل ودوس وحرق نسخ من المصحف عدة مرات عام 2023، وصرح بأن الحرق يمثل “مشاعره” اتجاه القرآن.
وكان يمسك مكبرا للصوت ويقول: أحذر الشعب السويدي من مخاطر القرآن.
وبعدها اقتحم المئات السفارة السويدية في بغداد، وطردت العراق السفير السويدي، وسحبت سفيرها من استوكهولم.
وأحرق راسموس بالودان السياسي الدنماركي المتطرف مجددًا نسخة من القرآن وقد بدأ الحرق عام 2017.
ويرى مراقبون أنه يهدف بذلك لكسب شعبية تساعده على الفوز في الانتخابات مع استغلال حق التعبير لنشر الكراهية لتحقيق مكاسب سياسية، والمشكلة ليست في اليمين المتطرف الذي يتبنى الكراهية، ولكن في الأعداد المتزايدة التي تصوت له في أوروبا وفي أمريكا.
ليس انتصارًا
مؤخرا انتقد دي فانس نائب الرئيس الأمريكي السويد لإدانتها حرق المصحف أخيرًا، وأعرب عن “قلقه” بشأن تهديد الديمقراطية في أوروبا! قائلًا: التهديد الذي يقلقني أكثر اتجاه أوروبا ليس روسيا أو الصين أو أي جهة خارجية أخرى، ما يقلقني هو التهديد الداخلي؛ أي تراجعها عن “قيّمها” الأساسية التي تتشاركها مع أمريكا.
لا نرى أي وجه للانتصار ولا تفسيرا لنظرات التحدي عند إحراق كتاب مقدس لأي دين، والمؤكد أن هذا لن ينتقص منه ولن يقلل من أعداد المنتسبين إليه، بل سيشعل غضبهم، وربما أدى فضول الآخرين إلى معرفة محتوى ومضمون هذا الكتاب المقدس إلى قراءته للتعرف عليه، وقد يؤدي إلى تصحيح الصورة المسيئة إليه وأحيانا إلى اعتناق البعض لهذا الدين وهو ما حدث بالفعل.
والمؤكد أنه كلما زاد رقي وتحضر وإنسانية الإنسان زاد احترامه لمعتقدات الآخرين، وعدم تعرضه لمقدساتهم أو لرموزهم أو ازدرائها بأي وسيلة تلميحًا أو تصريحًا، والعكس صحيح.
