استقالة زميلتي أميرة

رحم الله صلاح الدين حافظ الكاتب الصحفي المصري والأمين العام الأسبق لاتحاد الصحفيين العرب، ومعه أترحم على أحوال نقابة الصحفيين المصريين وشقيقاتها العربيات نقابات وجمعيات وروابط، إلا فيما ندر.
ذكرني إعلان زميلتي التونسية أميرة محمد وكيلة الاتحاد الاستقالة من المكتب التنفيذي لنقابتها “الوطنية للصحفيين التونسيين” السبت 22 فبراير/شباط الجاري 2025 بما قاله عند إطلاق أول تقرير عربي عن الحريات الصحفية من مقر الاتحاد بالقاهرة، ووثقته تغطية صحفية بعدد 4 يونيو/حزيران 2006 من جريدة “الوقت” اليومية البحرينية، حين كنت أراسلها.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 2 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
- list 3 of 4إثيوبيا.. حين يصبح تراث الإمبراطورية عبئا على الدولة
- list 4 of 4العمرة.. دليلك العملي لتقليل الجهد وزيادة الثواب
قال الأستاذ صلاح بالنص مؤكدا على شكوى جهر بها المحرر الرئيس للتقرير الأكاديمي الأردني الدكتور وليد عبد الحي، مستعيرا من كلمته تشبيها ساخرا عن تقديم النقباء ومجالسهم صورا وردية: “حاولنا منذ سنوات استقصاء الأحوال، فجاءتنا ردود من 19 منظمة وجمعية ادعت 14 منها أن دولها تعيش الحرية كسويسرا تماما”.
وأضاف ردا على انتقادات خلال المؤتمر الصحفي لما قدمته النقابة المصرية من معلومات لإعداد التقرير في عهد النقيب جلال عارف: “ما يقوله نقيب الصحفيين المصريين علنا لا يستطيع نقيب دول عربية أخرى البوح به لزوجته”.
الكتاب الممنوع
أو المشؤوم
يا الله.. كان بين الصحفيين المصريين، وأنا منهم، من لا يرضيه تماما أداء النقيب ومجلس النقابة في هذه السنوات، بين 2004 و2008، فينتقد، ويطرح ويضغط، وعبر جماعات قاعدية بين الجمعية العمومية، من أجل الأفضل.
أما اليوم فعلينا أن نتأمل ونعتبر ونتعلم، وننظر إلى أشقائنا الصحفيين بتونس ونقابتهم بتواضع ومحبة وأمل في الأفضل عندهم وعندنا. وعلى الرغم من سلبيات لم تتجاوزها بعد وتدهور أحوال صحافة تونس وصحفييها والحريات العامة عما كانت عليه خلال السنوات العشر التالية لثورة الياسمين، فما زلت أرجح أن النقابة التونسية هي الأكثر تقدما في محيطها العربي بالنسبة لأوضاعها الداخلية وتفاعلها مع محيطها الخارجي.
وهذا استنادا إلى متابعة عن قرب ومستمرة إلى اليوم، وحضور مؤتمراتها وجلساتها العامة قبل سنوات، ودراسة مقارنة موثقة بالمراجع الأكاديمية والكتب والمقابلات الخاصة، صدرت في كتاب بعنوان “تحولات نقابتين: صحفيون مصريون وتونسيون بعد 2010” خلال عام 2021، ولم يجد طريقا سالكا إلى داخل نقابة الصحفيين المصريين ليناقش أو لمجرد السماح بإتاحته للزملاء بسعر مخفض زهيد، وعلى مدى دورتين نقابيتين.
هذا إلى حد أنني عندما أدخل إلى مقر النقابة مؤخرا، أتذكر هذا الكتاب الذي أظنه وغيري ممنوعا برفق ودهاء وبلا ضجيج، وأنا أطالع بمدخلها ورقة معلقة تطلب من الزملاء ترك مسدساتهم وأسلحتهم النارية خارجها أو لدى أمن المقر.
لكنني أعود وألتمس الأعذار لزملاء أعزاء يقولون إنهم “مستقلون” ومع حرية الصحافة والتعبير والحوار الحر والنقد الذاتي. وأقول للنفس: لعله سوء حظ أن صدر الكتاب خلال وباء كورونا، فلم يلق تعاملا يماثل ما سبق لكتب أخرى في نقد أحوالها وصحافتنا المصرية، وربما الكتاب مشؤوم وليس ممنوعا.
أميرة
وزميلاتي التونسيات
لا يغيب عن ذاكرة تجربة مراسلتي للأهرام من تونس انطباعات عن زميلاتي الصحفيات والمجتهدات في حقل الإعلام هناك. ومنها زميلة تعمل مصورة بالتلفزيون، شاهدتها مرارا من شرفة البرلمان تدفع أمامها، وهي حامل تقترب من الوضع، كاميرا ضخمة بلا كلل أو تعب. وبجدية وإخلاص واحترافية طالما طالعتها أيضا في الحضور والأداء المهني لزميلتي الصحفية أميرة محمد التي تعمل في إذاعة موزاييك الأكثر انتشارا بتونس، خلال العمل الميداني وتغطيه المؤتمرات والأحداث الصحفية.
وفي الكتاب الممنوع أو المشؤوم إحصاء وتحليل لحضور ومكانة الزميلات في قيادة النقابة التونسية نقيبات وعضوات مكاتب. ولقد أصبح في عضوية المكتب الحالي 5 منهن من إجمالي 9 أعضاء.
وهو ما يستحق المقارنة مع أحوال النقابة الأكثر عددا والتي هي من بين الأعرق عربيا بمصرنا الحبيبة، وقد تكالبت عليها أمراض التخلف وتفشي ولاءات ما قبل المواطنة والدولة (كالصعايدة) والشللية، مع إعادة إنتاج ما يعانيه المجتمع وبأعلى الهرم من تسلط وشخصنة وإدارة العام لحساب الخاص وغرور الاستعراض والرضا عن الذات، مع تزلف جمهور المتفرجين السلبيين للسلطة والأقوياء، والتوسل بمن يدّعي وصلا بها وبهم وواسطة معها ومعهم، والتغطية على واقع بائس، واصطناع وحدة كاذبة بين الذئاب والحملان وتاريخ تمجيدي انتقائي أحادي لا يذكر السلبيات والخيبات إلى جانب الإيجابيات والنجاحات.
عن الاستقالة
ومعان تتجاوز الخلافات
استقالة الزميلة العزيز أميرة أمام الجلسة العامة لنقابتها جديرة بالانتباه مقارنة بواقعنا النقابي والعام غير الديمقراطي، بل وغير النقابي، والمتراجع في حالة مصر على الأقل.
وهذا على الرغم مما تثيره من آراء لا تتقبلها وتدين الاستقالة، وتعتبر أن ما كان لها الإعلان عنها لتصل إلى فضاءات تتجاوز أعضاء النقابة، وتلومها على ما يعتبره زميلها وزميلي العزيز أيضا النقيب زياد دبار خروجا على مبدأ التضامن بين قيادة النقابة، واتهامات بلا أساس، واستباقا للتقدم بالاستقالة كتابة للمكتب التنفيذي. علما بأنني بعد الاستقالة اتصلت بهما، واستمعت إليهما.
فحوى الاستقالة يتضمن نقدا من الداخل لعمل قيادة النقابة التونسية، ولما تراه تراجعا وتقصيرا في إدارة ملفات عدة تشمل قضايا الصحفيين المحبوسين والحريات والحقوق الاجتماعية لأعضائها، وانتقادا لما تراه غياب الحد الأدنى من الإجراءات العملية والجدية لمواجهة السلطة واعتداءاتها على الصحفيين والحريات، لا بمجرد البيانات، ووقفات احتجاجية بلا جهد للتعبئة.
وقد نبهتني خلال الاتصال معها إلى واقع ومخاطر غير مسبوقة أمام الصحفيين بتونس: 4 حاليا في المحابس ونحو 40 ملاحقا أمام المحاكم. ولذا أتمنى أن تستوعب النقابة التونسية هذه الاستقالة وتستفيد من النقد، وتنطلق في مسيرتها للتصدي للتحديات كافة، وتتغلب على الخلافات لتعيد صياغة اتحاد قيادتها، وذلك بالاحتكام إلى المعلومات الصحيحة الدقيقة والموضوعية والعقلانية، وبالتقاليد الديمقراطية عند المنظمات الحديثة العصرية، وأن تتجنب جموح المشاعر والعواطف الشخصية، وتبادل الاتهامات “بالخيانة”.
وأرى أن الزملاء بتونس مؤهلون لعبور تداعيات الاستقالة، لأن لأعضاء جمعيتها العمومية الاطلاع على كراسة توثق اجتماعات المكتب التنفيذي، بما تحويه من محاضر مضبوطة، تمت مراجعتها من أعضائه والتصديق عليها. وهو ما يعز عند نقابات عربية أخرى، وأصبح يشبه في ندرته أو استحالته العنقاء والخل الوفي، ومن بينها نقابة الصحفيين المصريين.
تنبيه لأهمية تحدي
اللاشفافية والسرية
بعد الجلسة العامة التي شهدت الاستقالة بساعات، طالعت بالموقع الإلكتروني للنقابة التونسية وثائق الجلسة (نصوص تقرير الجلسة واللائحة العامة الصادرة عنها، وتفويض المكتب التنفيذي لتحديد موعد تنفيذ إضراب عام للصحفيين التونسيين)، وإن غابت واقعة الاستقالة. ولاحظت خطابا ناقدا واضحا لا تعرفه غيرها من النقابات العربية في مواجهة انتهاكات سلطة الدولة والملاك أرباب العمل، وبشأن الصحفيين المحبوسين. وكل هذا يستدعى أن يفهم اللبيب بالإشارة عندنا.
استقالة أميرة في هذا الزمان وبمنظور المجالين النقابي والعام بتونس والعالم العربي تنبيه لأهمية تحدي ثقافة اللاشفافية والسرية والحجب، التي تطبق على حركة وحرية تنظيمات المجتمع المدني، وتطيح بالإخبار والعلانية جوهر مهنة الصحافة وبمصداقية نقابات الصحفيين، وكأننا إزاء عدوى فيروس انتقلت إليها من أقبية أجهزة المخابرات.
وأمسك عن كلام كثير وبالوقائع والأسانيد عما بلغناه بنقابتنا المصرية من إنكار وتبلد من هم باقون صامدون وعائدون، معتنقين حكمة قرود شرق آسيا “لا نسمع لا نرى لا نتكلم”، أو مع إبداع في تعديل العبارة إلى: “نسمع ونرى ولا نتكلم”، ومعها آفة الأفعال على خلاف الأقوال والوعود أو دونها بكثير.
