دعاء شيخ الأزهر بشفاء البابا بين فقه الفرد وفقه الدولة

كتب الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر؛ تغريدة منذ أيام، كان نصها ما يلي: “أدعو الله أن يمن على أخي العزيز البابا فرنسيس بالشفاء العاجل، وأن يمتعه بالصحة والعافية؛ ليستكمل مسيرته في خدمة الإنسانية”.
وقامت الدنيا ولم تقعد عند شريحة من الناس، قاموا بالهجوم على الشيخ، وإلقاء اللوم والنقد على دعائه للبابا بالشفاء، ثم على خطابه له بالأخ العزيز، وتمني الشفاء ليكمل مسيرته في خدمة الإنسانية، معللين ذلك -حسب فهمهم- بأنه يخالف الشرع، فهل فعلا في التغريدة ما يخالف الشرع؟ أم أن الناقدين والرافضين هم من وقعوا في عدم الفقه السديد، والعلم الدقيق، والنظر للموضوع من كافة زواياه، وهو ما نتناوله هنا، دفاعا عن الشرع، لا عن شخص الشيخ، وإن استحق شخصه الدفاع والمحاماة.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
ولا أدري هل ينكر المنكرون الدعاء لمريض غير مسلم، وهو أمر لا نجد رأيا فقهيا معتبرا يمنعه، خاصة لغير الحربي، بل هو داخل في باب البر الذي أوضحه القرآن الكريم بقوله تعالى: {لَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} (الممتحنة: 8). وقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم غلاما يهوديا قبل وفاته. وكتب الفقه المذهبي بكل فروعها، تتحدث عن التهنئة، والتعزية، والعيادة، حتى ابن تيمية الذي يستشهد به في تحريم التهنئة بالأعياد، ينقلون كلامه في جواز التهنئة والتعزية، وعيادة المرضى غير المسلمين، والدعاء لهم بكل خير ونفع في الدنيا.
لا أخوة إلا في الإيمان؟!
إن اعتراض الرافضين على وصف الشيخ للبابا بالأخ، بأنه لا أخوة معتبرة إلا أخوة الإيمان، هو كلام غير صحيح شرعا، ويدل على عدم تبصر بفقه القرآن الكريم والسنة المطهرة، فإن استقراء النصوص الشرعية، يدل على أن الأخوة درجات، أعلاها بلا شك أخوة الإيمان، لقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ} (الحجرات:10).
وهناك ألوان أخرى من الأخوة، منها أخوة النسب والدم، سواء كان الأخ مسلما أم غير مسلم، فالعقيدة هنا لا تلغي هذه الدرجة من الأخوة والقرابة، وهو ما نلحظه في خطاب القرآن الكريم لأنبياء لهم ابن أو أب غير مسلم، ورأينا الخطاب القرآني يثبت ذلك في خطاب نبي الله نوح لابنه، قال تعالى: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (هود: 42)، فالآية أثبتت البنوة هنا، وأثبتت الأبوة في حديث الله عن إبراهيم عليه السلام: {وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ} (الأنعام: 74)، وفي قول إبراهيم عليه السلام: {يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا} (مريم: 43).
وهو ما نراه واضحا جليا في كل كتب السنة والسيرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم له أعمام آمنوا، وآخرون لم يؤمنوا، فحمزة والعباس أسلما، وأبو طالب وأبو لهب لم يسلما، ومع ذلك عند ذكر أعمامه جميعا يذكرون بدرجة القرابة منه، فلم يلغها هنا إيمانهم أو كفرهم، لأنها قرابة دم، لا تنتهي، بل هي مستمرة، ولها أحكامها المعروفة، فهم ذوو رحم، وإن كانت لهم أحكام خاصة فلا إرث بينهم لاختلاف الدين، وهي مسألة موضع خلاف أيضا، لكن الجمهور على المنع، وإن رجح المجلس الأوروبي للإفتاء التوارث لصالح المسلم، ورجحنا التوارث بين المختلفين ديانة في حالة الزواج الجائز شرعا من أهل الكتاب.
أخوة الوطن والإنسانية
وهناك لون من الأخوة، هو أخوة الوطن والقومية، وفي هذا يدخل المسلم وغير المسلم، وهو ما أسهب القرآن في ذكره، عند حديثه عن الأنبياء وأقوامهم، وهم كفار معاندون لهم، بل معادون، وقد أصل ذلك بتفصيل شيخنا المرحوم القرضاوي في كتابه: “خطابنا الإسلامي في عصر العولمة”، ومما استدل به على ذلك قوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗا} (الأعراف: 65)، وقال تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗا} (الأعراف: 73)، وقال: {وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا} (الأعراف: 85)، فكل هؤلاء الأنبياء ليسوا إخوة لهؤلاء الكافرين في الدين، بل هي أخوة قومية أو وطنية.
وكنت أظن أن هذا المعنى عند القرضاوي حصرا، نعم فهو بهذا التفصيل والاستقراء ليس عند سواه، لكني وجدت لرأيه -إجمالا- سلفا، فقد رأيت الإمام الماتريدي في تفسيره يقول: “وقوله عز وجل: {أخاهم} قد ذكرنا أنه تحتمل الأخوة وجوها أربعة: أخوة النسب، وأخوة الجوهر والشكل على ما يقال: هذا أخو هذا إذا كان من جوهره وشكله، وأخوة المودة والخلة، وأخوة الدين، ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من أخوة صالح أنه كان أخاهم في النسب، أو في الجوهر على ما ذكرنا في هود، ولا يحتمل أن يكون في المودة والدين، وأما أخوة النسب فإنه يحتمل لما ذكرنا أن بني آدم كلهم إخوة، وإن بعدوا؛ لأنهم كلهم من أولاد آدم”.
وأما أخوة الإنسانية، فهو كما ذكر الماتريدي، من أن كل بني آدم إخوة، وإن بعدوا، لأنهم كلهم من أب واحد، هو آدم عليه السلام، وهو ما ورد في السنة المطهرة من أن النبي الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دبر الصلاة: “اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة…”.
مخاطبة غير المسلم بمقامه ومكانته
أما قول الشيخ الطيب عن البابا بأنه الأخ العزيز، فإن منح الألقاب المحببة للقلب والنفس، التي تمنح الخطاب ودا وكسبا للقلوب، من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، مع المسلم وغير المسلم، ومن قرأ رسائله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء، سيجده منح كل حاكم لقبه، وخطابه بالخطاب الذي يليق بمقامه بين قومه، فقد قال في رسالته إلى المقوقس: “من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط”، فلو كان هذا الخطاب في زماننا، لرأينا إنكار هؤلاء المنكرين، بأنه لا عظيم إلا الله، ولا يقال لغير المسلم عظيم!!
البابا وخدمة الإنسانية
أنكر المنكرون كذلك، أن تغريدة الطيب تتمنّى الشفاء للبابا، ليمارس جهوده الإنسانية، وهو أيضا دليل على عدم تعمق هؤلاء في فقه النصوص النبوية، التي كانت تنظر إلى كل نفع يقدمه الإنسان وتقدر هذا النفع، بغض النظر عن موقفه العقدي، وقد ورد في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عمرو بن الشريد يحدث عن أبيه قال: “استنشدني رسول الله صلى الله عليه وسلم من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته، فكلما أنشدته بيتا قال: “هي”، حتى أنشدته مئة قافية، فقال: “إن كاد ليسلم”. قال الإمام السندي: وكان أمية ترهب قبل الإسلام، وكان حريصا على استعلام النبي الموعود من العرب، وكان يرجو أن يكون هو ذاك النبي الموعود، فلما أخبر أنه من قريش، منعه الحسد من الإيمان به، وبالجملة فكان شعره مشتملا على الحكم والعلوم، فلذا استزاده.
وفي حديث آخر حكم على شعره، رغم معرفته بعدم إيمان قلبه، فقال صلى الله عليه وسلم: “آمن شعره، وكفر قلبه”، فحكم على شعره بالإيمان رغم كفره بالإسلام، ولم يكن أمية مجرد كافر، بل كان طامحا لأن يكون نبيا، ومع ذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الحكم والقيمة المناسبة المنصفة لعطائه الأدبي، متمثلا في الشعر، وأنه شعر مؤمن، وشعر له قوته وأثره.
بين فقه الفرد والدولة
هناك خلل نلمحه كثيرا في فتاوى وتصريحات حالية، فعند تأمّلها نجدها تتعلق بعقلية الداعية أو المفتي، فهل ما يصدر عنه ينبئ عن عقلية شخص يعلي شأن الجماعة والأمة في خطابه، ويراعيه فيما يصدر عنه، أم هو مشغول بفقه الفرد، فمنه ينطلق، وإليه ينتهي، ولو أدى ذلك إلى تفويت مصالح، وجلب مفاسد، دون أن يدري، وهو ما نراه في هذا الموقف من خطاب شيخ الأزهر للبابا.
إن البعض ينظر إلى كل قضية من منظاره الضيق، وهو منظار فردي، ربما يكون محقا في حدوده الفردية، لكن لو اتسعت دائرة النظر وراحت إلى مساحة أخرى، هي مساحة الأمة، أو المؤسسة، أو الدولة والجماعة، فهذا سياق فقهي آخر، وطرح مختلف تماما، ليس من الصواب ولا الحكمة أن نذهب فيه إلى الضيق بدل السعة.
وهو المبرر الذي ساقه شيخنا القرضاوي، حين أنكر عليه البعض عزاءه في بابا الفاتيكان الراحل البابا يوحنا بولس الثاني، فقال: لو كنتم في مكاني ومكانتي، لما وسعكم إلا أن تفعلوا ما أفعل. وصدق في ذلك، فإن جل من أنكروا تعاملوا من موضع مسؤوليتهم الفردية، وليس من موضع المسؤول عن رمزية كبيرة، أو مسؤولية عن مؤسسة كبرى، أو رجل دولة، كل حرف وكلمة محسوبة عليه تماما، وهو سياق يمكننا أن نكتب فيه طويلا، حيث أصل فيه الأصوليون والفقهاء في التفريق بين أحكام الفرد، وأحكام المسؤول، والحالات التي تتحول فيها القضية الفقهية من شأن خاص إلى شأن عام، أستطيع أن أذكر عشرات النماذج على ذلك، وقليل من يدرك ذلك، ويفتح الله له هذا الفهم، فهو لا يتأتى إلا بعد طول استقراء ونظر وفقه.
