مانديلا الأكراد.. والحاجة إلى استراتيجية جديدة

قبيل أيام من العيد القومي للأكراد، الذي يوافق يوم 21 مارس/آذار، أطلق القائد التاريخي للأكراد عبد الله أوجلان دعوة “من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي”، تضمنت حل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه، بعد عقود من الحرب مع الدولة التركية.
مسيرة الاضطهاد الطويلة
ولم يبدأ نضال الأكراد، ضد التهميش والإقصاء والإفقار، من بوابة حزب العمال الذي تأسس عام 1978، بل يعود إلى عشرينيات القرن الماضي.
وحينذاك، قامت القوى الإمبريالية بتقطيع أراضي الشعب الكردي بين العراق وإيران وتركيا وسوريا والاتحاد السوفيتي السابق.
ولكن الأكراد لم يرفعوا الراية البيضاء، فاندلعت العديد من الثورات وقامت كيانات كردية مختلفة في إيران وتركيا مثل الدولة الكردية (1918-1919)، ومملكة كردستان، وكردستان الحمراء، ولكن الدولة الكردية المنشودة لم تقم رغم ذلك!
وتزامل النضال الكردي، أحيانا وتقاطع في أحيان أخرى مع نضال الشعب الفلسطيني ضد الصهيونية.
فالمقاتلون الكرد، من كوادر البيشمركة من العراق وتركيا، كانوا يتدربون على القتال في معسكرات المنظمات الفلسطينية اليسارية في لبنان.
غير أن مياها كثيرة جرت في نهر العلاقة بين الطرفين، دفعت قطاعات من الأكراد إلى توثيق علاقاتهم مع إسرائيل وأمريكا.
مانديلا كردستان.. الإرهابي
أوجلان الذي ولد في 4 إبريل/نيسان عام 1948 في قرية عُمرلي بجنوب شرق الأناضول لعائلة تركية بسيطة، والتحق بجامعة أنقرة لدراسة العلوم السياسية، ثم أسس حزب العمال، يعد رمزا للحركة الكردية.
وكما هو الحال، مع الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا، صُنف أوجلان “إرهابيًّا”، وسُجن مدة 26 عامًا، وواصل قيادة الحركة من خلف القضبان.
ووقف “مانديلا كردستان”، منذ الثمانينيات، في قلب حركة تخوض صراعًا مسلحًا، راح ضحيته نحو 40 ألف شخص من الأتراك والأكراد.
ولكن أوجلان لم يعد الشاب اليافع المتأثر بالأفكار الراديكالية، بل أصبح شيخا (75 عاما) يتبنى البراغماتية، بعد أن قبع وحيدا في جزيرة إيمرلي التركية منذ 26 عاما.
وفي خطوة لافتة، دعا أوجلان في عام 2005، أنصاره إلى التخلي عن فكرة الدولة الكردية المستقلة والنضال من أجل الحكم الذاتي بدلًا من ذلك.
وفي نهاية فبراير/شباط عام 2015 دعا إلى إنهاء الصراع المسلح مع تركيا، معتبرا أن الحاجة ماسة إلى قرار وصفه بالتاريخي للتوصل إلى “حل ديمقراطي”.
آبو.. وحل الحزب
بيد أن جملة من التطورات الدولية والإقليمية والمحلية، عجلت من قرار أوجلان أو “آبو”، (العم باللغة الكردية)، بحل حزبه، وإلقاء البندقية.
بداية من عودة ترامب إلى سدة الحكم، برغبته المعلنة بتسوية النزاعات بالشرق الأوسط، عبر التضحية بحلفاء الأمس، مرورا بتضييق الأوروبيين على الأكراد، وانتهاء بصعود نجم ووزن تركيا الإقليمي عامة، وفي سوريا خاصة.
وفي رسالته الأخيرة، قال أوجلان إن “حزب العمال تجاوز معناه ووصل إلى نهاية عمره، وعلى المجموعات المسلحة إلقاء السلاح وعلى الحزب حل نفسه”.
قادة الحزب لم يبدوا اعتراضا وجاء في بيان: “عندما تأسس حزب العمال، كان ضروريًّا لمقاومة القمع التركي، لكن منذ عام 2014، اتخذ نظام أردوغان خطوات نحو الاعتراف بالأكراد، وبالتالي لم يعد للكفاح المسلح أي معنى، ولا يوجد بديل للديمقراطية”.
وبدأت المفاوضات بين أوجلان وأردوغان العام الماضي. وفي أكتوبر/تشرين الأول، تم اقتراح إطلاق سراح أوجلان بموجب مبدأ “الحق في الأمل”، الذي يحدد العقوبة بالسجن بمدة أقصاها 25 عامًا.
وفي الوقت ذاته، أطلق أردوغان حملة أمنية استهدفت المؤيدين للأكراد لدفعهم إلى قبول شروطه والاندماج في مشروع الدولة التركية.
ويريد أردوغان من دمج الأكراد، تصفير المشاكل الداخلية لمواجهة الموجة القادمة من المتغيرات الدولية التي ستشهدها المنطقة، وربما قد يساعده ذلك على تمديد فترة حكمه الرئاسي.
الشيطان في التفاصيل
ولا تزال التفاصيل الكاملة للاتفاق غير واضحة، فبيان أوجلان لم يحتوِ على خطة عمل، ولم يكن هناك مطالبات بالحقوق الدستورية للكرد، والسؤال الوحيد هو ما إذا كانت تركيا ستطلق سراح سجناء سياسيين آخرين.
والسؤال الحاسم الآخر هو ماذا سيحدث في سوريا حيث يتطلع أردوغان إلى إجراء ترتيبات مع القوات الكردية الأخرى في البلاد؟
وقد تعني عبارة “جميع الجماعات المسلحة” أن أوجلان يشير إلى فروع حزب العمال في سوريا وإيران.
وفي سوريا، يمتلك حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي جناحًا مسلحًا.
ورد الرئيس المشارك للحزب صالح مسلم، على تصريح أوجلان، قائلًا: “لن تكون هناك حاجة للسلاح إذا سمح لنا بالعمل سياسيًّا. إذا اختفت أسباب حمل السلاح فسنضعه”.
وقال مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، التي تسيطر على مناطق في شمال شرق سوريا إن “دعوة أوجلان إيجابية لإنهاء ذرائع تركيا لمهاجمتنا”.
الاصطفاف فيه سم قاتل!
امتلك أوجلان القدرة على أن يضع العصا في عجلة استراتيجية اعتمدت في أحيان كثيرة على إبرام صفقات هشة مع أنظمة إقليمية أو قوى إمبريالية، كانت تنتهي دائمًا بالخيانة، لتضيف مأساة جديدة إلى مآسي الأكراد الممتدة.
وعلى الرغم من أن حافظ وبشار الأسد قاما بإيواء أوجلان وحزبه من أجل إضعاف تركيا، فإنهما حاولا أيضًا القضاء على الهوية الكردية.
لذلك عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، كان العديد من الأكراد في بلدات شمال شرق سوريا جزءًا منها.
كما حاربت الجماعات الكردية النظام، وفي عام 2012 انسحب بشار الأسد من شمال سوريا؛ مما سمح للأكراد بالسيطرة على “روج آفا” وتأسيس منطقة الإدارة الذاتية لشمال سوريا.
وفي الحرب الأهلية، التي أطلقتها ثورة الأسد المضادة، قبل الأكراد الدعم الأمريكي لمحاربة تنظيم “داعش” أثناء محاولته السيطرة على شمال سوريا.
وانتهى الأمر بإضفاء الحماية الأمريكية على منطقة “روج آفا” الكردية.
ورغم ذلك، فقد تم إدراج حزب العمال، منظمةً إرهابية محظورة في أمريكا وأوروبا وتركيا.
ولخص وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر هذا النهج، بقوله “عِد الأكراد بأي شيء، وأعطهم ما يحصلون عليه، وتبا لهم إذا لم يتمكنوا من قبول النكتة”.
الكفاح المسلح.. إلى أين؟
من المؤكد أن قرار أوجلان بنزع سلاح حزبه في هذا التوقيت، سيلقي بظلاله، بالرغم من اختلاف السياقات، على محاولات دؤوبة صهيوأمريكية وعربية تسعى لنزع سلاح حركات المقاومة الفلسطينية والجهات المتحالفة معها.
وهي مساع يبدو أنها ستنجح في نزع سلاح حزب الله اللبناني الحليف الرئيس للمقاومة الفلسطينية.
وهكذا رويدا رويدا يتشكل شرق أوسط جديد، بقواعد جديدة تجرم الكفاح المسلح؛ مما يضع المقاومة الفلسطينية أمام اختبار صعب خلال الأيام المقبلة.
لكن، كما تخبرنا الملاحم البطولية العديدة التي يعج بها التراث الكردي، ففي كل مرة تتراجع فيها حركات المقاومة، تخرج للحياة من جديد حركات ترفض الظلم وتستكمل الكفاح.
مستقبل الأكراد
واليوم يبدأ أوجلان، معركة النضال عبر “الطرق الشرعية” للوصول، حسب رسالته، إلى مجتمع وفضاء سياسي ديمقراطي يحترم “الهويات وحرية الفكر والتنظيم الديمقراطي والبناء الاجتماعي -الاقتصادي والسياسي لجميع المكونات”.
وذلك انطلاقا من أن الأتراك والكرد وجدا “أنه من الضروري البقاء طوعًا في تحالف من أجل الحفاظ على وجودهم والوقوف ضد القوى المهيمنة”.
ولكن الظفر بالمجتمع الديمقراطي، لا يحتاج إلى قرارات فوقية من أردوغان فقط، بل إلى اندماج الأكراد مع نضال كافة المضطهدين في مجتمعاتهم، ضد الاستبداد، والعودة إلى مربع معاداة الصهيونية والإمبريالية بوضوح.
ويومها، قد يتمكن أوجلان من فتح الباب أمام عصر جديد، كما يأمل، تسطع عليه شمس الأكراد الذهبية.
