مخاطر نزع السلاح.. بين فلسطين وأوكرانيا والعراق

الخامس من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كان ذكرى مرور 30 عاماً، على توقيع المذكرة الأمنية، بين كل من أوكرانيا، وروسيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، المتعلقة بانضمام أوكرانيا إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، المعروفة بمذكرة بودابست، والتي من المفترض أن تضمن لأوكرانيا الأمن والسيادة، مقابل تخليها عن ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، وقد نصت على: احترام استقلال أوكرانيا وسيادتها على أراضيها، وحمايتها من العدوان الخارجي، وعدم توجيه عدوان عليها، وعدم تعرضها لضغوط اقتصادية للتأثير في سياساتها، وعدم استخدام أسلحة نووية ضدها.
بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأوكراني، فيكتور يانوكوفيتش، عقب الثورة هناك، عام 2014، نشبت توترات بين أوكرانيا وروسيا، على خلفية الوضع في شبه جزيرة القرم، طالب البرلمان الأوكراني حينها، الدول الموقعة على المعاهدة، بضمان وحدة وأمن أوكرانيا، تنفيذاً لمذكرة بودابست، إلا أن أحداً لم يتحرك، وهو ما أسفر عن احتلال روسيا للجزيرة، ثم ضمها في مارس من العام نفسه، بعد أن كانت جزءاً من الأراضي الأوكرانية، منذ عام 1954، ضمن الاتحاد السوفييتي السابق، وظل التوتر بين البلدين يتفاقم على خلفية تلك الأحداث، إلى أن تطور إلى اجتياح روسي للأراضي الأوكرانية في فبراير/ شباط، عام 2022.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وقد سلمت أوكرانيا إلى روسيا، بموجب الاتفاق المشار إليه، آلاف الأسلحة النووية، التي كانت بحوزتها، والذي يصل عددها حسب بعض التقديرات إلى 5000 سلاح نووي، بينما كانت المخابئ تحت الأرض، بالقواعد العسكرية، تحتوي على صواريخ بعيدة المدى، يحمل الواحد منها 10 رؤوس حربية نووية حرارية، كل رأس منها أقوى بكثير من القنبلة التي دمرت مدينة هيروشيما اليابانية، في نهاية الحرب العالمية الثانية، عام 1945، وكانت روسيا والولايات المتحدة فقط، تمتلكان قدرات أكبر من ذلك النوع من الأسلحة.
الوعود الوهمية
الجدير بالذكر، أنه مع انهيار الاتحاد السوفييتي، عام 1991، وتفكيكه إلى 15 دولة، ورثت روسيا حصيلة أسلحة الاتحاد السوفيتي النووية، التي كانت مخزنة في أربع من دول الاتحاد، من بينها أوكرانيا، ذات النصيب الأكبر، قبل أن تعيد تسليمها إلى روسيا، عام 1996، بعد توقيع مذكرة بودابست رسمياً، وهو ما اعتبره العالم حينها، إنجازاً دولياً، يأتي في إطار جهود الحد من الانتشار النووي، الذي يقتصر الآن على تسع دول فقط هي، الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين، إسرائيل، باكستان، الهند، كوريا الشمالية.
على أية حال، أصبحت دول الغرب تتحسر الآن، على سلب أوكرانيا سلاحها النووي، خصوصاً بعد الاجتياح الروسي لأراضيها من جهة، وبعد تخلي الدول الضامنة للاتفاق، وفي مقدمتها الولايات المتحدة من جهة أخرى، ذلك أن هذا النوع من الأسلحة كان يمثل ردعاً، تنازلت عنه أوكرانيا مقابل وعود وهمية، وقد بدا أن التاريخ يعيد نفسه الآن بعد ثلاثة عقود، مع مطالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بضمانات أمنية من الدول نفسها، ضامنة الاتفاق الأول، من أجل الموافقة على وقف الحرب مع روسيا.
قد تكون مصادفة مهمة، أن يتزامن ذلك الجدال، على الساحة الروسية- الأوكرانية، مع آخر مشابه إلى حد كبير، على الساحة الفلسطينية، بقطاع غزة تحديداً، حيث الإصرار الإسرائيلي- الأمريكي، على نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في القطاع، والذي يأتي متزامنا أيضاً مع نكوص الجانب الإسرائيلي -بدعم أمريكي- عما اتفق عليه بشأن وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، ثم الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، وهو ما يجعل المقاومة الفلسطينية تتمسك بموقفها الرافض لنزع السلاح، حتى وإن عادت المواجهات من جديد بعدوان، تصفه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل معاً بالجحيم.
وهنا تجدر الإشارة، إلى الموقف “المسؤول” الصادر عن القمة العربية الأخيرة بالقاهرة، الذي لم يتضمن أي نص على نزع سلاح المقاومة، أو حتى أي إشارة في كلمات رؤساء الوفود إلى ذلك، بما يشير إلى أن هناك وعياً كبيراً بخطورة الأوضاع على الساحة، في ضوء عملية النفاق الدولي، التي لم تردع كيان الاحتلال، عن حرب الإبادة التي ينتهجها بالمنطقة، لا من خلال المنظمات الدولية، ولا من خلال المحاكم، ولا من خلال الضغوط، التي لا تعدو عن كونها تصريحات شجب واستنكار، في الوقت الذي يتلقى فيه أسلحة ضخمة ومتطورة على مدار الساعة، من العديد من البلدان المنتجة للسلاح، وفي مقدمتها الولايات المتحدة بالطبع.
استجداء المساعدات
قد تمتنع الولايات المتحدة عن إمداد أوكرانيا بالسلاح بالفعل، إلا أن كل الدول الأوروبية تقريباً، تقوم بدعمها بالسلاح والمال، على خلاف الشعب الفلسطيني، الذي يستجدي العالم لإدخال المساعدات الإنسانية، ممثلة في الماء والغذاء والدواء، في سابقة تاريخية وإنسانية، لن يغفرها التاريخ، تتناقض مع كل المواثيق الدولية، وسط حصار غير مسبوق أيضاً، وكأنه الكيان الغاصب، وليس الشعب الرازخ تحت الاحتلال، على امتداد 76 عاماً، استطاع خلالها الصمود والصبر، بل وتكبيد قوات الاحتلال خسائر فادحة، بأسلحة بدائية، إذا ما قورنت بالأسلحة المتطورة التي يواجهها، ما بين طائرات F35 وقنابل زنة طنين، ودبابات ميركافا، إلى غير ذلك من كثير.
في ظل هذه الأوضاع، كان على القمة العربية، النص على مطالبة إسرائيل بتعويض الشعب الفلسطيني عن ذلك الدمار الذي لحق بالقطاع، وكان يجب التحذير من اقتراب الكيان من ثروة الغاز الفلسطينية قبالة شواطئ غزة، وكان يجب النص على قطع العلاقات العربية مع الكيان إذا عاود الحرب على القطاع مرة أخرى ولم يمتثل إلى العودة للمفاوضات، ولم يوقف العدوان أيضاً على كل من الضفة الغربية وسوريا ولبنان، التي يجب اعتبار سلاح المقاومة بها أيضاً، خطاً أحمر، في ضوء تنصل الاحتلال من اتفاقية وقف القتال هناك، بعدم الانسحاب من الجنوب بالكامل، إلا إنه بدا واضحاً أن الغيابات القيادية الكثيرة عن القمة، قد اختلفت على مثل تلك التوصيات أو النصوص، بل اتضح أن بينها من كان يريد النص على نزع سلاح المقاومة للأسف.
على أية حال، سوف يظل نموذج الأسلحة الأوكرانية ماثلاً في الأذهان، حين الحديث عن أزمة المقاومة والشعب الفلسطيني، الذي لدغ من الجحر نفسه عام 1948، بنزع سلاحه لحسابات مريبة، كما كان النموذج العراقي من قبل تماماً، ذلك أن القرار الأمريكي- البريطاني، بغزو العراق الشقيق، عام 2003، لم يتقرر إلا بعد التأكد من نزع وتدمير سلاحه على مدى 13 عاماً (2003-1990) وكان الفاعل واحداً في الحالتين الأوكرانية والعراقية، (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة)، ثم ها هو يكرر المخطط نفسه في الحالة الغزاوية، بإعلان مسبق عن النية في تهجير سكان القطاع، الذين يزيد تعدادهم على مليوني نسمة، والاستيلاء على الأرض، تارة بزعم ضمها لكيان الاحتلال، وتارة أخرى لاستثمارها أمريكياً، في إطار بلطجة منقطعة النظير، لم يشهدها العالم في العصر الحديث
