حين يصبح الترفيه دعوة.. والدعوة ترفيها

سعد الهلالي (منصات التواصل)

تضرب أمواج العبث والفوضى الشواطئ التاريخية العريقة للدعوة والدعاة في مصر والوطن العربي، مسببة تآكلا تدريجيا في وعي الشعوب العربية والإسلامية.

تتزامن هذه الأمواج مع عواصف ثقافية وافدة، وتيارات رديئة رائجة، وحركة مد وجزر سريعة للأحداث والأفكار والمواقف، مدعومة باستسلام رسمي مريب، يُترجم في إصرار على العبث بالخطاب الديني تحت ذريعة «تجديده»، ومحاصرة دور الأزهر، والحد من صلاحياته، وتجاهل أهميته كحائط صدّ في مواجهة التغريب والتطرف والتسطيح وطمس الهوية.

تصنيع دعاة جدد:

من «الإسلام الأمريكاني» إلى «الإسلام الترفيهي»

المثير للدهشة أن التوجيه الدعوي الرسمي لا يكتفي بالسكوت، بل يسعى لفرض دعاة جدد بمواصفات تتجاوز حتى ما تروّج له التيارات المعادية للإسلام.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

فقد تعدّت الظاهرة ما عُرف بـ«الإسلام الأمريكاني»، الذي أشار إليه سيد قطب، حيث يُطلب من الإسلام أن يُفتي فقط في التفاصيل الطقسية، دون المساس بالأوضاع الاجتماعية والسياسية.

وتجاوزت أيضا نموذج «إسلام السوق»، الذي وصفه الباحث السويسري باتريك هايني، والذي يتميز بطابع رأسمالي فردي يروج للاستهلاك والرفاهية، ويفرّغ الإسلام من نضاله وهمومه الكبرى.

كما تم تجاوز دعاة «إسلام ولي الأمر» (الجامية)، الذين نشؤوا بالتوازي مع ما عُرف في مصر بـ«الدعاة الجدد».

الدعوة الترفيهية: الدين كمنتج إعلامي مثير

المرحلة الحالية تشهد ظهور نمط جديد يمكن تسميته بـ«دعاة الإسلام الترفيهي».

هؤلاء يتم تسويقهم ضمن حملة لتحويل الدين إلى مادة إعلامية مثيرة للجدل، تجعله أقرب إلى محتوى الترفيه منه إلى الوعظ والإصلاح.

ورغم الجاذبية الإعلامية التي قد يتمتعون بها، فإنهم يقدمون محتوى سطحيا، لا يلامس جوهر الدين، ولا يعالج هموم المسلمين، بل يسعى إلى الإثارة ولفت الانتباه من خلال الطروحات الشاذة والفتاوى الغريبة.

فتاوى للترفيه.. وتشويش للعقول

تزداد الأزمة عمقًا عندما يسعى بعض الدعاة لتحقيق الانتشار عبر طرح الآراء الغريبة بدعوى التجديد، مما يسبب تشويشًا واسعًا لدى البسطاء.

ومن ذلك تصريحات سعد الدين الهلالي بأن «فرعون موسى كان اسمه وليد»، وأن «الراقصة تموت شهيدة لأنها خرجت في طلب الرزق»، وهي مجرد نماذج ضمن مئات التصريحات المثيرة للجدل.

وفي حوار موثّق نقله الكاتب تهامي منتصر، يُظهر بوضوح كيف يتم توجيه بعض الدعاة لاستغلال الفتاوى الشاذة من أجل الشهرة، لا من أجل الدعوة.

الدعاة القصاصون:

حين تتحول الدعوة إلى حكايات سطحية

أثار أحد الدعاة الترفيهيين موجة انتقادات شعبية بعد ظهوره في مقطع مصور يتحدث عن الزوجة الصالحة أثناء عقد قران، في حين ظهرت خلفه نساء بملابس غير محتشمة.

الانتقاد لم يكن فقط لهذا التناقض الظاهر، بل لطبيعة المادة التي يقدمها: قصص خفيفة، بلا خطة أو عمق، تفتقر للفقه والعلم.

وقد حذّر النبي ﷺ من هذا النمط من الدعاة، فقال: «إن بني إسرائيل لما هلكوا قصّوا»، أي انشغلوا بالقصص دون تعليم العلم النافع، وهو ما بيّنه الشيخ الألباني رحمه الله.

تحكم الأجهزة الأمنية في الملف الدعوي:

إضعاف للمصداقية

من أكبر الأخطاء أن يُسلَّم ملف الدعوة إلى الجهات الأمنية بدلًا من العلماء والمفكرين، تحت شعار تجديد الخطاب الديني.

فبدلًا من تحصين المجتمع من الأفكار الدخيلة، يجري تهميش الأزهر، ويُعتمد على شخصيات إعلامية ذات طروحات مثيرة للجدل، مما يؤدي إلى نفور الناس وسقوط المصداقية.

دليل ذلك واضح في الاحتفاء الشعبي بإيقاف برنامج أحد وزراء الأوقاف السابقين الذي استمر سنوات في الإعلام الرسمي رغم كونه غير مؤثر.

حين يُوعظ الناس من المسرح والكاميرا

في مشهد رمزي عبّر عن توق الشعب المصري لتغيير الوجوه الدعوية التقليدية، حقق الممثل الكوميدي سامح حسين انتشارًا واسعًا عبر سلسلة وعظية خفيفة تحت عنوان «قطايف»، مما دفع الجهات الرسمية لتكريمه.

وقد دفع هذا النجاح عددا من الشخصيات الإعلامية مثل جابر القرموطي إلى تقليد التجربة، في برامج ذات طابع وعظي وترفيهي.

نحو إصلاح حقيقي للمشهد الدعوي

لمعالجة هذا الانهيار في الخطاب الدعوي، لا بد من إرادة سياسية جادة، ومراجعات علمية عميقة، ومؤتمرات متخصصة، بإشراف العلماء الصادقين، وبالطبع، لا يمكن تجاوز الأزهر في هذا المسار.

لابد من رؤية واضحة تشخّص الواقع وتضع أهدافًا واستراتيجيات للارتقاء بالدعوة، وتحويلها من حالة الفوضى إلى مسار أصيل يخدم الأمة.

 

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان